يظن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، ومستشار الرئيس الأميركي وصهره، جاريد كوشنير، بأن حال الضعف والانقسام والتفتت التي يعانيها الفلسطينيون، والعرب عموماً، تشكل فرصةً ذهبيةً لإجبارهم على قبول ما لم يقبلوه طوال سبعة عقود مضت.

“لو فينا نهرب ونطير مع هـ الورق الطاير”.. تصدح فيروز في متن واحدةٍ من أقدم أغانيها، قبل خمسين سنة، ولا يخطر على بالها، طبعاً، أو على بال الأخوين رحباني اللذيْن كتبا تلك الكلمات، ولا على من سمع شدوها بها، ثم ردّدها مستمتعاً بألحان فيلمون وهبة، أن حيناً من الدهر سيأتي على العرب، تصير فيه الطائرة الورقية التي غنّت لها “جارة القمر” سلاحاً نارياً يؤرّق إسرائيل، بل يؤذيها، بعدما اعتادت، طوال عقود سلفت، أن تنام ملء جفونها، غير عابئةٍ بسعي بعض أعدائها المفترضين إلى ما ظلوا يسمونه بناء التوازن الاستراتيجي، ولا بتصدّر بعضهم الآخر قائمة أكبر مشتري الأسلحة الحديثة في العالم.
قليل من القصب والورق والخيطان والعجين، يكفي ليُحلِّق القلب في فضاء البلاد، قال أطفال اللاجئين الفلسطينيين لأنفسهم، على الأرجح، في منعطفيْن تاريخيين متباعدين، وكان لكل منهما دلالته في سياق الصراع مع أصحاب “القدم الهمجية”؛ الأول أعقب النكبة، واستعاضوا فيه بالألعاب المصنوعة يدوياً، عن حرمانهم من وسائل الترفيه، ومعها أهم أساسيات الحياة، في مخيمات اللجوء، أما الثاني فجاء بعد سبعين سنة، متزامناً مع مسيرات العودة، واكتشفوا فيه أن مكونات الطائرات الورقية نفسها تكفي، كذلك، وإنْ مع تعديلاتٍ بسيطة، لتعوّض، إلى حد ما، غياب الطائرات الحربية المنهمكة بقصف أشقائهم السوريين في حمص وحلب وإدلب، أو أشقائهم اليمنيين في صنعاء وتعز والحديدة، أو أشقائهم الليبيين في طرابلس ودرنة وأجدابيا، أو أشقائهم العراقيين في الموصل والفلوجة والرمادي، فضلاً عن أشقاء آخرين كثيرين تودي بهم القنابل، في بلداتٍ عربيةٍ أخرى يضيق المقام عن ذكرها جميعاً.
وإنْ تكن فيروز قد بشرتنا مبكراً بأن “الغضب الساطع آت (..) بجياد الرهبة آت، وكوجه الله الغامر آت آت آت”، وفق ما تقول في رائعتها “زهرة المدائن”، العائدة أيضاً إلى الأخوين رحباني، كتابة وتلحيناً، فإن أحداً ما كان ليتوقع رداً على نار الطائرات الفولاذية الإسرائيلية، بنارٍ تحملها الطائرات الورقية الفلسطينية، ويعجز الغزاة عن منعها من التهام حقولهم ومزارعهم، في حقبةٍ لا تتميز سياسياً بشيء، مثلما تتميز، بهرولة النظام الرسمي العربي، من كل طريق، لشراء رضاهم، حتى لو كانت القدس هي الثمن المطلوب، بمساجدها، وكنائسها، وتاريخها.
لكن هذا الابتكار الفلسطيني المدهش، وقد أعاد إلى الأذهان أساليب الفيتكونغ في الكفاح ضد الاحتلال الأميركي، ومن قبله الفرنسي، لجنوب فيتنام، ما زال أعقد قليلاً، على ما يبدو، من أن يفهم معانيه ودلالاته أبطال صفقة القرن، وجلهم شبان صغار، يظنون أن كل شيء قابلٌ للبيع والشراء، بدءاً من حق الشعوب في الحرية، مروراً بدم أبنائها، وحتى أوطانها، أرضاً ومقدسات.
فالمبعوث الأميركي، جاريد كوشنير، الذي ولد بعد هزيمة الأميركيين في فيتنام بنحو عقد من الزمن، وأمضى شبابه غارقاً في جمع المال، يأتي ليجوب المنطقة، ظاناً، ومعه ولي العهد السعودي الشاب محمد بن سلمان، ونظيره الظبياني محمد بن زايد، إضافة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بأن حال الضعف والانقسام والتفتت التي يعانيها الفلسطينيون، والعرب عموماً، تشكل فرصةً ذهبيةً لإجبارهم على قبول ما لم يقبلوه طوال سبعة عقود مضت، وأن بضعة مليارات من الدولارات يمكنها أن تفرض التسليم بتهويد القدس، وتقلب وجهة البوصلة، لتشير إلى شمال سيناء وشرق الأردن، بدلاً من يافا وحيفا واللد والرملة والناصرة.
ألا فليخسأوا، تقول غزة، بإطلاقها مسيرات العودة، ثم بطائراتها الورقية الحارقة، فيتردّد رجع الصدى في رام الله، هتافاً يُحذّر ضعاف النفوس من الانخراط في الصفقة المشينة، تواطؤاً معها، أو بحجة العجز عن مواجهتها. وتلك رسالةٌ، إن عجز كوشنير وصحبه العرب عن فهمها اليوم، فالتجربة في انتظارهم، لتعلمهم غداً ما علمته لأسلافهم، ولم يقرأوه.