أفرغ تصويت دول عربية ضد ملف المغرب لاستضافة كأس العالم ما في جوف الخطاب الرسمي من شعارات فارغة، من قبيل “التضامن العربي” و”الأخوة” و”الأشقاء”، وهذه قِيم، حتى وإن كانت تؤمن بها الشعوب، فإن حكامها يستغلونها لأغراضٍ تخدم مصالح أنظمتهم الشخصية.

أبانت نتائج التصويت داخل مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، الأسبوع الماضي، لاختيار الدولة التي ستحظى بشرف تنظيم “مونديال 2026″، عن مدى انقسام “الصوت العربي” الذي ذهب ثلثه، أي سبع دول، إلى تأييد الملف الثلاثي المشترك الذي تقدمت به أميركا وكندا والمكسيك، فيما صوتت 14 دولة عربية، وهو ما يمثل ثلثي أعضاء الدول العربية داخل المجلس لصالح الملف المغربي.
حملت نتائج التصويت مفاجآت ومفارقات كثيرة، وصدمات كثيرة للجمهور المغربي، ففي الوقت الذي انقسم فيه الصوت العربي بين الملفين المرشحين، صوتت أغلب الدول الإفريقية لصالح الملف المغربي، أي 41 دولة، باستثناء عشر دول أفريقية، منها جنوب أفريقيا فضلت أن تمنح صوتها للملف الثلاثي، وهو قرار يكاد يكون مفهوماً، لأنها كانت منافسة للمغرب لاستضافة كأس العالم عام 2010، ولم تستوعب أن يكون من بين منافسيها دولة تنتمي إلى القارة السمراء نفسها، تزاحمها على شرف احتضان أكبر تظاهرة رياضية عالمية لأول مرة على أرض أفريقية. وباستثناء موقف هذه الدول، فإن قرار الإجماع الإفريقي أملته المصلحة الإقليمية المشتركة الإفريقية التي غلَّبتها باقي دول القارة السمراء على مصالحها مع الدول الثلاث المنافسة للمغرب، متحدية تهديدات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي توعد كل دولة تتلقى مساعدات من بلاده، وأغلب الدول الإفريقية تتلقى معونات من أميركا، أن يعيد النظر في تلك المساعدات. أما المفاجأة بالنسبة للمغرب فتمثلت في قرار دول كبيرة، مثل البرازيل وفرنسا والصين وتركيا التي منحت أصواتها للملف المغربي، على الرغم من كل ما تملكه من مصالح مشتركة مع دول الملف الثلاثي، تفوق بكثير تلك التي تربطها بالمغرب.
أما التصويت الذي شكل صدمة كبيرة للمغاربة، فكان هو قرار دول عربية تعتبر “حليفة”
“على المغرب أن يعيد النظر في أوراق علاقاته الرسمية مع أنظمة لا تراعي إلا مصالح أصحابها”

و”صديقة” للمغرب، منحت أصواتها للملف الثلاثي ضد الملف المغربي. ويكبر حجم الصدمة عندما يكون بين هذه الدول التي صوتت ضد المغرب دول خليجية كبيرة، في مقدمتها السعودية والكويت والإمارات، تتبعها البحرين والأردن والعراق ولبنان، وكلها تربطها علاقات “صداقة” و”أخوة” كبيرة مع المغرب، وخصوصاً مع ملك المغرب والأسرة الحاكمة. وفي المقابل، غَلّبت عدة دول عربية حِسها القومي والعربي على مصالحها الخاصة، وحساباتها السياسية الضيقة، ومنحت صوتها للملف المغربي، على الرغم من أن المغرب يقطع علاقاته مع بعضها، كما الحال مع سورية، أو يحارب على أرضها وضد شعوبها كما اليمن، أو تمر علاقتها مع المغرب بحالة توتر مزمنة، أو مترددة، كما هو حال الجزائر وموريتانيا.
لكن الصدمة الكبيرة بالنسبة للمغاربة والتي عبرت عنها ردود أفعالهم على مواقع التواصل الاجتماعي، أحدثها التصويت السلبي لدول خليجية ضد الملف المغربي، خصوصاً السعودية والإمارات والبحرين التي تستعين بقوات مغربية لحماية أمنها القومي، وأمن ملوكها وأمرائها، وتستعين بجنود مغاربة تخوض بهم حربها القذرة ضد اليمن، وشعبه الفقير. وقد جاءت ردود فعل المغاربة معبرة عن حجم الصدمة، عندما رفع مشجعون مغاربة في موسكو، بعد الكشف عن نتائج التصويت، شعارات ضد السعودية، تقول “السعودية خائنة”، وقد عبر عن هذا الشعور العام أكثر من مسؤول مغربي تحدث عن الخيانة والطعن من الخلف.
لم تعط الدول العربية التي لم تصوت لصالح المغرب أي اعتبار لما هو “مشترك” و”أخوي”، وسقطت في اختبار بسيط، وبدون رهانات كبيرة، بالنسبة لأغلبها، لأن تصويتها لصالح الملف المغربي لم يكن ليغير أي شيء في نتيجة التصويت النهائي المحسومة سلفاً للملف الثلاثي 

“رفع مشجعون مغاربة في موسكو، بعد الكشف عن نتائج التصويت، شعارات ضد السعودية، تقول “السعودية خائنة”

(وهذا نقاش آخر داخلي مغربي)، لكنه سيغير حتماً في معطيات كثيرة في علاقات المغرب والشعب المغربي مع هذه الدول وحكامها الذين صب عليهم المغاربة، من رواد المواقع الاجتماعية، جام غضبهم، وبدأوا يطرحون أسئلة تطالب بإعادة النظر في العلاقة مع هذه الدول التي كشفت نتيجة التصويت داخل مجلس “فيفا” أن حكامها يحملون نظرة احتقار للمغرب والمغاربة، عبرت عن زيف كل الخطابات الرسمية ونفاقها، وهو ما عبر عنه مسؤول سعودي كبير علانية، في تغريدات مستفزة قبل عملية التصويت وبعدها.
إذا كان من إيجابيات لهذه الواقعة، فهي أنها أفرغت ما في جوف الخطاب الرسمي من شعارات فارغة، من قبيل “التضامن العربي” و”الأخوة” و”الأشقاء”، وهذه قِيم، حتى وإن كانت تؤمن بها الشعوب، فإن حكامها يستغلونها لأغراضٍ تخدم مصالح أنظمتهم الشخصية أولاً وأخيراً. سقطت ورقة التوت، وعلى المغرب الرسمي أن يعيد النظر في ترتيب أوراق علاقاته الرسمية مع أنظمة  لا تراعي إلا مصالح أصحابها. ويجب أن تكون البداية بالانسحاب مما يسمى “التحالف الداعم للشرعية” الذي يستعمله النظامان الرسميان في السعودية  والإمارات لشن حرب قذرة ضد الشعب العربي اليمني، ومقدرات دولته، خصوصاً بعدما كشفت أطوار هذه الحرب العبثية عن مطامع وخبايا لا علاقة لها بالأهداف التي بُني عليها تحالفها.