كان لي شرف أن أطلقت عبارة من «إسلام الدواعش إلى إسلام الفواحش» وقد طارت هذه العبارة في الأرجاء حتى قام الأخ د. محمد العوضي، بتصوير حلقة إعلامية تحت مسمى تلك الكلمات.

بداية أؤكد أن شحرور وداعش هما نتاج فعل سياسي، وتحريف ثقافي وليس نتاج صحوة فكرية أو تطور مجتمعي، إن شحرور وداعش يراد منهما خدمة مرحلة معنية، إذ يقرر صناع السياسة مرحلة جديدة وأبطالًا جددًا، وينتقلون من تجفيف المنابع إلى تلويث المنابع، ومن التزمت إلى التفلت وهكذا.

كما أني لست معنيًّا بمناقشة أفكار شحرور، فهو يعد نفسه نبيًّا جديدًا يرفض الإسلام المعروف، إذ يقول: ما وصلنا من الإسلام هو صناعة إنسانية صيغت في العصر الأموي، فلست معنيًا بدينه، ولي ديني، وله دينه، كما أني لن أناقش نظريته اللغوية المتهافتة، ولعل من خير من رد عليه أكاذيبه هو المرحوم يوسف صيدواي في كتابة بيضة الديك، ودكتور بلال رزينة، والأستاذ ماهر المنجد.

لعل من أكبر الرزايا وأعمق المشاكل، الفوضى العارمة التي نشهدها اليوم في حياتنا، والتي لا تتوقف عند حد انتقاص الموروث الاجتماعي وليس نقده، بل تتعدى ذلك إلى هدم المقدس التكويني الأخلاقي، والعقلي، والديني والأسري. ويتجلى ذلك في تدينين متناقضين، من إسلام الدواعش إلى إسلام الفواحش.

إنّنا قد لا نقع، إلا فيما ندر، على من ينوه بالعلاقة بين ثقافتين فيهما من التوتّر والخصوبة ما نجده في العلاقة القائمة بين تفكير الدواعش وتفكير د. محمد شحرور.

إنّ علاقةً معقّدةً كتلك لا يثيرها الكثيرون بحجة وجود التناقض الظاهري بينهما، وما زالت تُثير فضول الباحثين الذين توزّعوا حول هاتين الثقافتين في فئتين كبيرتين: فمن جهة هناك من يرى أن لتفكير الدواعش وشحرور خصوصية لا تشارك الآخر، بل تلغيه، وهناك غياب لأيّ مفردات مشتركة بينهما، أي إنهما في تعارض تام. ومن جهةٍ أُخرى هناك من يرى، وأنا واحد من هذا الصنف، أن فكر الدواعش وشحرور يندرجان تحت السياق نفسه، وإن اختلفت النتائج.

وقد يتساءل آخر فيقول: وما وجه الشبه بين فكر الدواعش وفكر الشحرور؟ «مع تحفظي على كلمة فكر، وعدم صحة إطلاقها على الجهتين».

شحرور يقول: «الذين يُصرّون على الثبات على أفكارهم مشركون»، وهذا منطق الدواعش التكفير، في الحقيقة إن كلا الطرفين مجرمان. بل يشتركان في الجريمة، وإن تعددت الطرق واختلفت المسميات والنتائج، فالمتناقضات قد تفضي إلى نتيجة واحدة، وإن اختلفت في مدارسها، فمن رحم التفلت يولد التزمت ومن التزمت ينتج الجهل، والجهل يغذي التفلت.

فشحرور المختلف ظاهريًّا في صورته وصوته عن تنظيم داعش، هو من يغذي وجود الدواعش. وشحرور هو من يبرر تعاظم شررها.

يدعمان بعضهما

تعلق التنظيمات المتطرفة آمالها على متطرفين من نوع شحرور؛ ليثبتوا أن دعوتهم صحيحة، وأن الإسلام الحقيقي محجوب، ومن داعش المعروفة بجبروتها وقهرها وعنفها يولد فكر شحرور نموذجًا تدفع بعض الأنظمة لإيجاده بديلًا جديدًا عن الإخراج الأول الداعشي، لكنه مغاير تمامًا في ظاهره: فالأول تزمت والثاني تفلت! ويشتركان في الضياع.

نتاج جهل وأنظمة سياسية

ولعل من أخطر ما ألمح إليه د. علي القره داغي هو أن «معظم ما يقوله الشحرور في قناة أبي ظبي يُعد دينًا جديدًا وليس اجتهادًا! والمفارقة أن يكرم بصفته مفكرًا إسلاميًّا مجددًا! كان هدف الأنظمة المعادية للإسلام سابقًا هو «تغييب» الشعوب، أما الآن فالهدف هو (تغيير) دين الشعوب».[1]

يتشارك الدواعش وشحرور في:

– الاستهتار بالناس، ووصف المجتمعات بأقسى النعوت، حتى إن شحرور عد المجتمعات المتدينة بـ«المنافقة»، وأشار إلى أنها أفرزت حركات تعبر عنها، في مقابلة أجراها على قناة الحرة(2). أليس هذا تمامًا لب دعوة الدواعش التي تنعت الناس وتستبيح المجتمعات.

– الاستحواذ على الدين وتفسيره، وتجهيل كل من ليس على طريقتهما.

– الاستهانة بالتراث الفقهي، وإطلاق الأحكام التعميمية التعسفية: يقول د. محمد شحرور: إن الفقه الموروث قد أساء له «للإسلام» ولنبوته، بما حمله إياه من صفات ومواصفات، من عصمة تكوينية، وشفاعة، وعلم للغيب ومعجزات، وبما تقوله على لسانه من أقوال وأفعال لا أساس لها من الصحة، حرفت الإسلام وقزمته إلى دين محلي تاريخي، علينا أن نعيد النظر في أدبياته، والتخلي عنها للحاق بدين الله كما أراده الله لنا ولغيرنا.

– دغدغة العواطف وإثارة الرغبات: حيث يتلاعب الطرفان الداعشي والشحروري، بعواطف الناس، ويعملان على إيجاد ما يشرعن شذوذهما الفكري والأخلاقي، الدواعش من خلال ادعاء المظلومية أو الانتهاك العام وتحريف الدين، وشحرور من خلال دعواه بتحريف الدين.

– فقدان المعنى التربوي: الإحساس المتبلد، وغلظة القلب، والاعتماد على الجدل المقنع بالدين والعقل، وخلو القلب من أي بياض، ومن تتبع الدواعش وشحرور لاحظ هذا الأمر جليًّا.

– نسف أي قيم توافقية: إذ يؤكد الطرفان دومًا على أنه لا إمكانية للحوار الداخلي، ولا قواسم مشتركة، بل كل واحد منهما هو الفهم الأمثل والأنقى، وما سواهما فباطل ومحرف.

– خلق البلبلة: لا يقدم الدواعش وشحرور إلا وعيًا يثير البلبلة، ويحرض على المشاكل، ويدفع بمزيد من التعمق في الغياب عن أولوية العمل المطلوب، من خلال تكبير الصغائر، وتحويلها إلى كبائر.

– الدعم الإعلامي السخي: يعتمد الدواعش وشحرور على دعم ممول إعلامي ضخم، لم يسبق أن دعم أحدًا مثلهما.

قد يعترض معترض ما فيقول: لكن شحرورًا لم يجبر أحدًا على فكره، كما فعلت داعش؟ ونجيب هؤلاء، أليس من الإكراه أن يدخل الرجل بيوتنا، ويقتحم أفكارنا من خلال فضائيات تمول فكره وتفرض رأيه علينا؟! الإجبار لا يكون فقط بالإكراه، وإنما بالاستحمار.

أليس ما يقوم به من دس وتلاعب وفرضه علينا نموذجًا لا دين فيه إلا رفض الدين، وتفريغ الدين، من أي محتوى؟ أليس هذا إكراهًا، وهو أن يملي علينا تفسيره لمقدساتنا بطريقة سلطوية؟ أليس الفكر المدعوم من سلطة ما هو نوع من الإكراه؟

تنظيم الدولة فرض سطوته على الأرض، وشحرور فرض فكره علينا من السماء في الفضائيات التي تحسِّن القبيح وتقبِّح الحسن؟ فتش عن شحرور وداعش بلا سلطة تدعمها سيموتان ويتجاوزهما الزمن دون أي ضجيج. بقي استغرابي الكبير: لماذا يبدي العلمانيون العرب فقط، وأقول فقط، تعاطفهم مع محمد شحرور؟