8918a24f-a195-4996-9803-5592e0ca9c2f.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

محمد أبو رمان

هل يمكن لشخصية رئيس الحكومة الأردنية، عمر الرزاز، الإصلاحية، التوافقية والهادئة، العبور بالأردن في هذه اللحظة التاريخية العاصفة الصعبة، وسط تجاذبات شديدة بين نخب تقليدية متخوّفة من التغيير، وتسعى إلى فرملته، وتيار شبابي جديد يريد قلب المعادلة التقليدية بالكامل؟

قد يكون رئيس الوزراء الأردني الجديد، عمر الرزاز، صُدم أكثر من غيره بردود الفعل الغاضبة في الشارع الأردني على تشكيلة الفريق الحكومي الذي ضمّ أكثر من النصف من الحكومة السابقة، ولم يُرضِ طموح الشباب الذي خرج بالآلاف أياماً طويلة من أجل إسقاط الحكومة السابقة، بعدما طوّر مطالبه إلى “إسقاط النهج” السياسي والاقتصادي.
الرزاز الشخصية الإصلاحية الديمقراطية، والذي يحظى بشعبية كبيرة وسط التيار الليبرالي والإصلاحي، ويمتلك كاريزما افتقدها رؤساء الوزراء الأردنيون منذ عشرين عاماً تقريباً، الذي جاء إلى موقع الرئاسة مزوداً بكتاب تكليف ملكي، يتحدث عن عقد اجتماعي جديد، هو الآخر صدم أصدقاءه والإصلاحيين عموماً، والشباب المتربّص الذي ينتظر تشكيلة الحكومة بفريق خليط بين التيار التقليدي وشباب إصلاحيين هادئين.
أين العقدة؟ هي باختصار أنّ الرجل، على الرغم من خلفيته السابقة، توافقي تصالحي هادئ في مواقفه، وقع بين اتجاهين رئيسين؛ الأول جيل الشباب المعولم والطبقة الوسطى والتيار الجديد الجارف الذي يطالب بمرحلة جديدة ونهج مختلف، وإصلاحات جوهرية وجذرية، ما يتطلب فريقاً جديداً يؤمن بالتغيير. على الطرف الآخر، الفريق الثاني، وهي المؤسسات البيروقراطية والنخبة الرسمية والماكينات التقليدية في الدولة التي تستخف بما حدث في 30 مايو/ أيار وما بعدها من احتجاجات وإضرابات غير مسبوقة، وبالتالي تنظر إلى مسألة وجود الرزاز بوصفها إصلاحاً جزئياً في أحسن الأحوال، أو تغييراً حكومياً عادياً (Business as Usual) .
مثل هذا المناخ السياسي يجعل الحكومة الجديدة في مهبّ الريح، وغالباً بلا أي حلفاء حقيقيين، فمن زاوية النخبة الرسمية البيروقراطية والسياسية ترى فيها حالة مؤقتة، وتراهن على الفشل الذريع، ما ينهي الهاجس السابق من دور محتمل كان متوقعاً للرزاز في المستقبل. ومن زاوية الشبكات والمجموعات التي تطالب بالإصلاحات الكبيرة، لا تشعر بأنّ الحكومة هي الثمرة التي كانوا يسعون إليها. ومن زاوية ثالثة، التيار المحافظ (ومعه النخبة اليمينية الأردنية) الذي بدأ بالهجوم الضاري عليها، لأنّه يرى فيها خطراً على الهوية الوطنية، لما تطرحه من خطاب ليبرالي إصلاحي، ودعوة إلى عقد اجتماعي جديد.
فوق هذا وذاك، تغليب اللون الليبرالي التكنوقراطي على القادمين الجدد للحكومة، وعدم تمثّل التيار الإسلامي بأي لون من الألوان فيها، أحدث لدى الإسلاميين أنفسهم أيضاً هواجس من الحكومة الجديدة، بوصفها أيضاً ذات نزوع علماني- ليبرالي، وغير متصالحة مع الثقافة الاجتماعية الدينية المحافظة، وشكوك بوجود أجندة ثقافية لها لعلمنة الثقافة والتعليم.
هي بداية، إذاً، غير مطمئنة، مقلقة، وتعزّز من رهانات أكثر من تيار على سقوط الحكومة مبكّراً، وفشلها أو إفشالها. وقد بدأت أوساط الرئيس تدرك هذه الحيثيات جيّداً، ولذلك تراهن اليوم على “استعادة” زمام المبادرة واستقطاب الشريحة الاجتماعية الواسعة، من الطبقة الوسطى والفقيرة، عبر قراراتٍ وسياساتٍ اقتصادية، والإعلان عن توجهات جديدة تخدم أبناء هذه الطبقات وتطلعاتهم في أكثر من باب: خفض الإنفاق العام ونفقات الحكومة وترشيدها، إعادة النظر في العبء الضريبي وإيجاد معادلات جديدة، وتحسين الخدمات، وتطوير العلاقة بين الوزراء والمواطنين من خلال تفعيل قنوات التواصل والاتصال والحوار العام الذي كان مفقوداً خلال الحكومات السابقة.
“وسطيّة الرزاز”، إن جاز التعبير، تعكس شخصيته الهادئة، فهو لا يريد أن يخسر التيار الإصلاحي العام، وفي الوقت نفسه يخشى الاصطدام المبكّر بالمركز البيروقراطي التقليدي، والنخب السياسية المتشكّكة فيه. لذلك يبحث عن طريق ثالثة، وسط هذه الاستقطابات والتجاذبات، ويحاول ردّ الاعتبار لمفهوم الإصلاحات البنيوية، لكن المتدرجة الهادئة، التي تستبطن صفقات وحلولاً ذات طبيعة توافقية.
هل يمكن لهذه الشخصية الإصلاحية، التوافقية والهادئة، العبور في هذه اللحظة التاريخية العاصفة الصعبة، وسط تجاذبات شديدة بين نخب تقليدية متخوّفة من التغيير، وتسعى إلى فرملته، وتيار شبابي جديد يريد قلب المعادلة التقليدية بالكامل؟

إعجاب تحميل...