مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

رياض الشعيبي (تونس)

أضحى رئيس الحكومة التونسية، يوسف الشاهد، الشخصية الأقوى، بعد الدعم الخارجي والداخلي أمام دعوات إلى إقالته، وقد استفاد من هذا الدعم ليحسن من صورته، وليتخلص من خصومه، وفي مقدمتهم وزير الداخلية، لطفي براهم الذي لم يتمسك رئيس الجمهورية به.

جاء تعيين لطفي براهم وزيرا للداخلية في تونس رغما عن رئيس الحكومة يوسف الشاهد. ولذلك لم تكن العلاقة بينهما ودية، بل مشوبة بالحذر وعدم الثقة المتبادلة، بل وحتى عدم التعاطي في أغلب الأحيان، خصوصا عندما وصل الأمر إلى ايقاف أحد مستشاري رئيس الحكومة داخل وزارة الداخلية، احتجاجا من لطفي براهم على الرقابة الادارية والسياسية التي يريد رئيس الحكومة ممارستها عليه، ولذلك لم يكن عزله مفاجئا، ولا محتاجا حملة إشاعات عن محاولة انقلابية فاشلة.
قرر رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي إقالة وزير الداخلية السابق، الهادي المجدوب، بسبب عدم تعاونه مع رئاسة الجمهورية، ورفضه الاستجابة لما اعتبرها طلباتٍ غير قانونية، سواء بالتنصت على أشخاص، أو مراقبتهم أو حتى اعتقالهم. كما قطع الوزير على أصحاب النفوذ من العائلة الرئاسية ومحيطها من اللوبيات النافذة، ما اعتادوا عليه من مزايا وامتيازات، في ظل سابقه ناجم الغرسلي، فلم يجد الرئيس أمام الضغوط من حوله سوى إقالة هذا الوزير. وعلى الرغم من أن ذلك يخرج عن صلاحياته الدستورية، إلا أن اختلال التوازن السياسي بين رأسي السلطة التنفيذية منحه فرصة ليمارس نوعا من السلطة الرئاسوية الواسعة.
وكان الرئيس يفكر بالفعل في اقالة المجدوب، وأن يتولى الوزارة رئيس الحكومة، اضافة لخطته الأصلية. وكان مفهوما سبب هذا الاقتراح، فحجم الثقة في الشاهد حينها كان كبيرا، واستعداده لخدمة العائلة الرئاسية وحمايتها آنذاك كان واضحا. إلا أن ذلك لم يزد شريكه في الحكم إلا توجسا، وهو الذي عايش من قبل خطورة الجمع بين السلطتين، السياسية والأمنية. ولم يكن أمام رئيس الجمهورية من بد غير الأخذ بحل وسط: اقالة المجدوب، من دون إلحاق وزارة الداخلية برئيس الحكومة. وهنا جاء التدخل الرشيق لمستشاره السياسي المكلف بالعلاقات، ليقترح عليه لطفي براهم، آمر الحرس الوطني حينها، والرجل الذي يمكن التعويل عليه حسب رأيه، في الأوقات الصعبة، ليتولى مهمة الوزير الجديد للداخلية.
ربما لم يكن يوسف الشاهد منسجما مع المجدوب، وربما لم يكن ممانعا لتغييره، أما أن تتم إقالته وتعيين وزير جديد خارج إرادته، فذلك لم يكن سهلا عليه تقبله، لكنه مع ذلك تعامل مع الأمر الواقع، وحاول احتواء براهم منذ الأيام الأولى لتعيينه.
لم يكن تكليف لطفي براهم المسحة الأولى من العناية الرئاسية التي شملته، فحتى توليته قيادة جهاز الحرس الوطني كانت أيضا برعاية من مستشار الرئيس، وبحرص من الرئيس شخصيا. ولذلك بدا تعيينه وزيرا للداخلية منذ اليوم الأول مثيرا للريبة، خصوصا وأن الرجل جسور إلى حد التهور، ولايزال يحمل بين طيات دفاتره حرارة عملياتية، تتناقض مع واجب التحفظ وما يستلزمه من برودة وجدانية وابتعاد عن الانفعالية عند المسؤول السياسي.
فرض التكوين الأمني والتجربة المهنية على لطفي براهم طابعا مزاجيا خاصا، جعله يبدو قائدا عملياتيا، جلب له النجاح في بعضها سمعة معتبرة عند صناع القرار، غير أن ممارسة القيادة السياسية تستلزم شيئا آخر عصيا على براهم، ولذلك لم يكن في مقدوره أن ينسجم مع الجهاز الحكومي منذ يومه الأول، بل إن هذه العلاقة المتوترة لم تقف عند حدود مجلس الوزراء، إذ طبعت أيضا أداءه داخل وزارته، فإصراره على تغييرات هيكيلية على رأس إدارة الأمن الوطني قوبلت برفض تام، ما جعله في شبه قطيعة مع منظوريه، فلا إدارته التي نشأ فيها كانت تنظر له بعين الرضى، لاقتناعها بوجود من هو أكفأ منه لقيادتها، ولا بقية مصالح وزارته قابلين بالتعاطي معه، ولا رئيسه القانوني (يوسف الشاهد) يثق به ويتواصل معه.
وفي المقابل، لم يكن لطفي براهم يعترف بسلطة أخرى عليه غير سلطة رئيس الجمهورية، فكان يتلقى أوامره من الرئاسة، ويختزل علاقاته بالدولة التونسية في هذه المؤسسة. وعلى الرغم من أن ذلك يعتبر تمردا على سلطة رئيس الحكومة، إلا أنه أيضا أدى إلى عزلته، وعجزه عن إحداث أي تغيير داخل وزارته، فرئيس الحكومة نجح في أن يتدخل ويفرض مرات عديدة خياراته، لعل أهمها التعيينات التي فرضها على وزيره ابّان زيارته الملتبسة السعودية.
ولئن يربط بعضهم اليوم إقالة وزير الداخلية بحادثة قرقنة، فإن رصد تاريخ علاقته بالشاهد يبين أن قرار الإقالة يعود إلى ما هو أخطر هذه الحادثة، على أهميتها. ومع ذلك لا يتعلق الأمر بما يروج حول انقلاب مزعوم تم فضحه، فما أعجز الرجل عن ذلك تخطيطا وإنجازا. وعلى الرغم من أن ما يروى عن فصول الإعداد لهذا الانقلاب لا يتعدى كونه نسجا من خيال ضعيف، إلا أن ما يرتسم على ملامح الرجل من غطرسة وانفعال، وما يحيط به نفسه من عدم احترام للاخرين، قد يكون ذلك كله أثار مخاوف بشأن نياته.
وقد أضحى يوسف الشاهد الشخصية الأقوى، بعد الدعم الخارجي والداخلي أمام دعوات إلى إقالته، وقد استفاد من هذا الدعم ليحسن من صورته، وليتخلص من خصومه، وفي مقدمتهم وزير الداخلية، لطفي براهم الذي لم يتمسك رئيس الجمهورية به لسببين:
أولا، لأن أصداء ما يردده براهم من ادعاءات التمرد على الجميع وصل إلى أذني الرئيس، ما اعتبره مسا برمزيته ووضعه الاعتباري من جهة، وطيش ولا مسؤولية الوزير من جهة ثانية.
ثانيا، لأن براهم الذي بدأ يحس بخطورة وضعيته في موقعه، أخذ احتياطات لحماية نفسه من أية متابعة قضائية في صورة عزله، ما أغضب الرئيس، واعتبر ذلك خيانة لعهده معه. وقد استفاد براهم من تجربة وزير الداخلية الأسبق، ناجم الغرسلي، الذي نجا إلى الآن من الاعتقال، بسبب ما يحوزه من ملفات تدين شخصيات بارزة.

إعجاب تحميل...