815d31cc-e795-4499-be40-3c8bb950c3cb.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

صلاح الدين الجورشي

أخطر ما هو موجود في تونس أن اللوبيات تحاول أن تخترق الهيئات الحاكمة عن طريق الأموال وشراء الضمائر ووضع أشخاص في مواقع حساسة، مثل الحكومة والأجهزة الأمنية والبرلمان وشركات القطاع العام والمؤسسات الإعلامية.

كثر الحديث في تونس عن “اللوبيات” من دون تحديد واضح، سواء لمفهومها، أو خصوصاً تحديد هويتها ومن يقف وراءها. وهو ما زاد في إضفاء نوعٍ من الغموض على هذه الشبكات المنظمة والمؤثرة في الشأن العام، وفي توجيه الفاعلين، وتحقيق جزء من المصالح على حساب الدولة والمجتمع.
عندما تستفتي القاموس حول مفهوم كلمة “اللوبي” تجد العبارة تحيلك إلى المجموعات التي تعمل على “حث جهات قريبة من أجل اتخاذ القرار الذي تمارسه مجموعات أو أطراف للحصول على مآرب وأهداف تخدم مصالحها السياسية بالدرجة الأولى، ومصالح أخرى تتفرع من السياسة قد تكون اقتصادية أو اجتماعية أو قانونية “. هذا هو أصل المصطلح، وهو مستعملٌ في السياق السياسي لخدمة مصالح طرف من الأطراف، وبالتالي تعتبر اللوبيات جزءاً من أي نظام سياسي، وفي مقدمتها الأنظمة الديمقراطية، مثل الولايات المتحدة الأميركية التي تسمح حتى لجهات أجنبية بمحاولة التأثير في السياسات، في مقابل الحصول على أموال طائلة.
كثر الحديث في تونس عن اللوبيات، من دون تحديدٍ واضح لماهيتها، ما جعل المصطلح يستعمل في المنحى السيئ، وليس بالمعنى السياسي الذي يضفي الشرعية على هذا الطرف أو ذاك لخدمة مصالح مالية أو نقابية أو سياسية. في تونس، تكاد مفردة اللوبي تعني العصابات المنظمة التي تتحرّك في الظلام، وتصطاد في الماء العكر.
كما توجد حالة تدافع مستمر ومتجدّد، حيث يعمل كل طرف من أجل أن يفرض إرادته على الدولة، مباشرة أو بالتحايل والطرق الملتوية. وأخطر ما هو موجود أن هذه اللوبيات تحاول أن تخترق الهيئات الحاكمة عن طريق الأموال وشراء الضمائر ووضع أشخاص في مواقع حساسة، مثل الحكومة والأجهزة الأمنية والبرلمان وشركات القطاع العام والمؤسسات الإعلامية. لكل من هذه اللوبيات كتيبة من الذين يقبضون الأموال، من أجل خدمة مصالح هذا اللوبي أو ذاك. حتى بلغ الأمر بوزير الداخلية، ناجي الغرسلي، المبحوث عنه، أن يلعب أدواراً مشبوهة، ويضع الأمن القومي في خطر. كما صرح وزير الداخلية المقال، لطفي براهم، إن بعض الأشخاص يخضعون للإقامة الجبرية، من دون إذن قضائي، وهو ما أثار مخاوف الأطراف الحقوقية التي ظنت أن هذه الممارسات قد انتهت وولت مع سقوط نظام بن علي.
ما يلاحظ أيضاً أن صراعاتٍ دائرة قد تهدّد الاستقرار، وتعرّض الدولة للاهتزاز، وعدم التوازن. لا تغذيها الخلافات السياسية بين الأحزاب، وإنما هي مجرد معارك لتصفية الحساب بين أطراف مالية وازنة، كل طرف يسعى إلى الغلبة عن طريق الإنفاق المبالغ فيه، إلى درجة التوصل إلى شراء وزراء، وتشكيل مراكز نفوذ، تكون قادرة على ارتهان بعض مؤسسات الدولة، وتوظيفها بطرق غير شرعية، فوزير الداخلية الذي يسعى رئيس الحكومة من أجل اعتقاله كان يتعامل مع شبكاتٍ موازيةٍ معروفة بنشاطاتها خارج دائرة القانون. وهو متهم بالتورّط في تقديم معلومات سرية لأطراف مليشياوية ليبية. وتكفي الإشارة إلى أن كلاً من المدير العام السابق للمصالح المختصة ومدير الوحدة الوطنية لمكافحة الإرهاب سابقاً موقوفان، بتهمة التآمر على أمن الدولة الخارجي والخيانة.
هذه الوقائع التي ينتظر أن يؤكدها القضاء هي التي سمحت لبعض الأجانب بالخوض في الشأن التونسي بطرق سيئة، ومكّنت أطرافاً إقليمية ودولية من التدخل علناً في شؤون البلاد، والمس بالسيادة الوطنية، فعديد اللوبيات تربطها علاقات جيدة بدول تدعمها من أجل التأثير في القرار السياسي والمالي. وأحياناً، يلاحظ المراقب والمحلل السياسي صراعاً صامتاً بين عدد من اللوبيات، تسعى من أجل الظفر بموقع أو بصفقة ضخمة لصالح هذه الدولة أو تلك. وأحياناً يكون اللعب بالمكشوف.
ما يُخشى أن يصبح الوطن مستباحاً، حين ينطلق الكل في نهش هذا الجسم الطري، جسم تونس. ولهذا يتوجه المخلصون في البلد إلى الله بالدعاء، ويرفعون أصواتهم بالتساؤل: ألا يوجد في البلد رجل رشيد، أو امرأة حكيمة، وذلك قبل أن يعم الطوفان.

إعجاب تحميل...