8009aebf-3f97-4fb3-bff7-8e526561c844.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

نجوى بركات

لم لا ينتبه المعنيون إلى الكنز الهائل الذي قد تشكّله الأعمال الروائية، الكلاسيكية والمعاصرة، العربية والأجنبية، لكتّاب الدراما؟ ولم لا يتواصل المنتجون مع كتّاب حقيقيين؟ أجل، كتّاب الدراما الموهوبون موجودون بلا أدنى شكّ، والروايات الجيدة القابلة للاقتباس والتحويل دراميا كثيرة.

لا نني نسمع أن العالم العربيّ يعيش اليوم في زمن الرواية، وفي هذا إشارة إلى الوله الكبير الذي يبديه القارئ العربي حيال هذا النوع الأدبي، إلى تقدّم هذا النوع كمّيا ونوعيا، وأخيرا إلى اكتشاف العرب مقدرات فن السرد على التعاطي مع واقعٍ يزداد تعقيدا وتركيبا، وعلى الإحاطة به.
في النتاج المسرحي، ليس الأمر كذلك. وفي النتاج الدرامي، السينمائي والمسرحي، الأمر هو نفسه: ندرة في النصوص المسرحية الجيدة، نقص وضعف في كتابة السناريوهات، اقتباس وسرقات وتكرار في كتابة المسلسلات الدرامية التي، إن حدث ونجح أحدها جماهيريا، صير سريعا إلى استنساخها بحيث يبلغ بعضها جزءا عاشرا (“باب الحارة” مثالا)، وهو تقليدٌ لم نعرفه سابقا عن المسلسلات الناجحة مثل “ألو حياتي”، “نساء عاشقات”، “صح النوم”، “الأيام”، وسواها من الأعمال الناجحة التي ما زالت تحاكي وجداننا، وتعيش أحداثها وشخصياتها في ذكرياتنا.
اليوم، وخلال شهر بأكمله، لا نفعل ولا يفعل الناس سوى متابعة المسلسلات الرمضانية في أجواء احتفالية تعد بالكثير، في طقسٍ يشبه استعادة طقس الحكواتي الذي لم تكن حكاياته لتنتهي تقريبا أبدا، قبل أن تنتهي أنفاس السامعين، إذ يبقون، خلال ثلاثين يوما، معلّقي الأبصار في الشاشة الصغيرة، بانتظار إطلالة البطل أو البطلة، ومتابعة ما سيجري معه، أو معها من أحداث. ومع ذلك، بات الملل والخيبة وقلة الاكتراث شريكة مشاهدين متمرّسين في أصول السرد والتطور الدرامي، في حين صار التكرار والإكثار من الأجزاء وصفةَ العمل الناجح جماهيريا، وإن كانت الأجزاء التالية ضعيفة وغير متماسكة، يشكل البطل (ة) وحده مادتها اللاصقة التي لا تذوب ولا تتراخى. بمعنى آخر، يبقي المشاهد العادي إلى حين على تعلقه بالبطل الّذي أحبّ، مهما تضاءل وضعفت موهبة كتابته. فالجزء الأول من مسلسل “الهيبة” على سبيل المثال، أفضل بكثير من الجزء الثاني، مع توقع أن يكون الثالث أضعف من الاثنين، ومع ذلك، استمرّت نسبة مشاهدته مرتفعة، هذا إن لم ترتفع أكثر.
مسلسلات كثيرة مقتبسة قصصُها عن أفلام وأعمال تلفزيونية أجنبية، بعضها يفلح (مسلسل تانغو” للمخرج رامي حنا) وبعضها لا، ومعظمها يشعرك بذلك الإحساس أنك قد “سبق ورأيت” هذا في مكان ما.
لماذا؟ نسأل، فيقال لنا إن المنتج لا يرغب بالمجازفة، وأنه الدافع في اتجاهٍ كهذا، لأنه مضمون النتائج. ثم نسأل: أي ضمانةٍ في اتجاهٍ يؤدي إلى فشلٍ إثر فشل؟ فإن كان الجمهور مشجّعا عشوائيا لما يقدم له، فهي أعمالٌ لن يبقى منها شيء، حينما ستوضع في ميزان الجودة والتاريخ. ثم لماذا يكتب من ليسوا أهلا للكتابة في الأصل، هم الذين لا نراهم ممثلين إلا في مسلسلاتهم (كارين رزق الله مثالا وغرفها من مآسي الواقع اللبناني “قفشاتٍ” لم يسبقها إليها آخرون، واعتقادها أنها ميريل ستريب الشاشة الصغيرة). ولماذا نشاهد، في معظم الأحيان، أعمالا حائرة في وجهتها، تقف على قدم، ثم على أخرى، غير ثابتةٍ في تقديم المعنى، وإن كانت لا تخلو من ميزات (مسلسل “الطريق” الذي بدا كأنه، خلال رحلته، قد نسي أين هي طريقه). يمكننا إدراج كثير من الأمثلة التي شاهدناها في الموسم الأخير، وتعبّر عن مآزق نرى أن معظمها كامن في البنية الرئيسة المخلخلة، أي في الأرضية التي يرتكز عليها العمل الدرامي، في ضعف القصة، وخلل حبكتها وحواراتها وشخصياتها وأسلوب تطوّرها، وفي هيمنة الكليشيهات، ودلق الدموع واستدرارها، أو اللجوء إلى أسلوب وعظي أخلاقي…
وبالعودة إلى مطلع المقال، نسأل: لم لا ينتبه المعنيون إلى الكنز الهائل الذي قد تشكّله الأعمال الروائية، الكلاسيكية والمعاصرة، العربية والأجنبية، لكتّاب الدراما؟ ولم لا يتواصل المنتجون مع كتّاب حقيقيين؟ أجل، كتّاب الدراما الموهوبون موجودون بلا أدنى شكّ، والروايات الجيدة القابلة للاقتباس والتحويل دراميا موجودة وكثيرة أيضا. إنما يبدو أن هناك حلقة وصلٍ مفقودة بين الطرفين، بين مخرجين وكتّاب مثقفين يقترحون، ومنتجين وممولين يقرأون ويوافقون.
لعل وعسى.

إعجاب تحميل...