نشرت مؤسسة صدى كارنيجى مقالا للكاتب «جاك روسيلييه» يتناول فيه تجديد بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام فى الصحراء الغربية لمدة ستة أشهر، وإعلان المغرب قطع علاقاتها مع إيران على خلفية اتهامها بتسهيل تسليم الأسلحة إلى جبهة البوليساريو ومدّها بالدعم اللوجيستى والتقنى عن طريق السفارة الإيرانية فى الجزائر، ومن خلال حزب الله، وكيل إيران فى لبنان. ولقد أنكرت جبهة البوليساريو والجزائر هذه الاتهامات وحذرا من أن هذه الاتهامات قد يعرقل إمكانات حدوث مباحثات مباشرة.
استهل الكاتب حديثه عن أنه فى أبريل الماضى، جدّد مجلس الأمن الدولى بقرار صادر عنه حول الصحراء الغربية، ولاية بعثة الأمم المتحدة لمراقبة حفظ السلام لمدّة ستة أشهر، بدلا من التمديد المعهود لعام كامل. واقع الحال أن هذه الخطوة تؤشّر إلى عودة روسيا فى دور جيوسياسى أكثر إثباتا للوجود فى هذا النزاع الإقليمى، وليست مؤشّرا حقيقيا عن استئناف المحادثات المباشرة.
على النقيض من التشنّجات التى نشبت العام الماضى مع موريتانيا فى منطقة غيرغيرات الحدودية جنوب الصحراء الغربية – والتى أشعلها المغرب وأدّت إلى قيام جبهة البوليساريو، فى خطوة ثأرية، بإعادة نشر قواتها داخل منطقة محظورة – شهد العام الجارى تصعيدا مدروسا بين الفريقَين انطلاقا من التقاء ثلاثة أحداث شبه متزامنة. وقد تمثّل الحدث الأول فى تقارير غير مؤكّدة عن قيام مقاتلى البوليساريو بخرق أحكام وقف إطلاق النار الذى جرى التوصل إليه فى العام 1991، أو عن توغّلات عناصر غير مسلّحين داخل المنطقة العازلة المحايدة غرب الجدار الدفاعى الذى يفصل بين المغرب وقوات البوليساريو فى الزاوية الشمالية الشرقية للصحراء الغربية (منطقة المحبس)، والحدث الثانى كان وجود عناصر من البوليساريو داخل المنطقة العازلة فى گرگرات بالتزامن مع عبور موكب من السيارات الرباعية الدفع المركز الحدودي؛ والحدث الثالث والأخير هو البيان الصادر عن جبهة البوليساريو، والذى أشارت فيه إلى قرارها نقل مقرّها الدفاعى والإدارى من قاعدتها فى جنوب غرب الجزائر إلى منطقة واقعة شرق الجدار الدفاعى وخاضعة لسيطرتها بحكم الأمر الواقع.
فى گرگرات، تجد جبهة البوليساريو نفسها عالقة فى مأزق عملانى: تقع گرگرات عند قسمٍ من الجدار الدفاعى يمتدّ بموازاة الحدود مع موريتانيا، ولا يُفسِح فى المجال أمام جبهة البوليساريو للسيطرة ولو على رقعة صغيرة من أراضى الصحراء الغربية الواقعة فى تلك المنطقة ونشر نقاط للمراقبة فيها (وذلك خلافا للجزء الأكبر من الجدار الدفاعى الذى يمتد تقريبا فى خط من الشمال إلى الجنوب حيث تخضع نسبة 20 فى المائة من أراضى الصحراء الغربية لسيطرة البوليساريو).
بغض النظر عن التناقض فى وجهات النظر بين المغرب والبوليساريو فى تفسيرهما لوقف إطلاق النار والاتفاقات العسكرية اللاحقة، دفعَ التصعيد المحدود الذى لجأت إليه القوى فى جانبَى الجدار، بالأمم المتحدة إلى دعوة الأطراف إلى ممارسة ضبط النفس والحفاظ على الوضع القائم. لقد تكوّن لدى الرئيس الألمانى السابق هورست كولر، الذى يتولّى مهمة الوساطة فى ملف الصحراء الغربية، انطباعٌ انطلاقا من مشاوراته الأولية مع أصحاب الشأن الأساسيين فى المنطقة والعالم، بأنه يجب أن تسود روحٌ من المرونة والواقعية من أجل استئناف المفاوضات المباشرة، وكضمانة لبروز ديناميكية جديدة. كذلك سلطات التشنّجات المتعاظمة عشية النقاشات فى الأمم المتحدة حول تجديد ولاية بعثة المينورسو، الضوء على غياب الآليات الفاعلة المشتركة للمراقبة والتدقيق من أجل رصد التقيّد بوقف إطلاق النار وتطبيق الاتفاقات العسكرية (التى كانت من نتائج عمل الأمم المتحدة فى العام 1990 على تصميم مهمّة البعثة وولايتها)، والتى من شأنها تسهيل تسوية النزاع على المستوى الميدانى والحئول دون التصعيد.
فى حين اعتمدت روسيا، فى نقاشات العام الماضى حول القرار، لغة أكثر ليونة انتقدت من خلالها جبهة البوليساريو على أسلوبها فى التعاطى مع أزمة غيرغيرات، أشار القرار الجديد مرتَين إلى البوليساريو على خلفية دورها فى غيرغيرات ونيّتها نقل مقرّها إلى الجهة الواقعة شرق الجدار الدفاعى. تاريخيا، تبنّت روسيا موقفا محايدا ومتوازنا إلى حد كبير فى ملف الصحراء الغربية، نظرا إلى امتلاكها مصالح لدى الجانبَين. لكنها اعتمدت، فى السياق الجيوسياسى لهذا العام، موقفا أكثر إثباتا للوجود. لقد أعطت روسيا المغرب إشارة إيجابية مباشرة (ردّ مدروس على التشنّجات)، ومؤشرا جديدا غير مباشر عن الدعم («الالتزام من جديد بجهود الأمم المتحدة فى إطار من الواقعية والمرونة»، وذلك خلافا لأى دور يمكن أن يلعبه الاتحاد الأفريقى الذى تدعمه موسكو والجزائر). غير أن الضغوط الروسية الفاعلة تجلّت بصورة خاصة فى موضوع خفض ولاية المينورسو إلى ستة أشهر. ليس للقرار تفسير واضح فى غياب محادثات مباشرة أو حتى فى إطار الاستعداد لجولة جديدة مرتقبة من المفاوضات (صُوِّت مرتَين فقط على ولاية الستة أشهر فى العامَين 2006 و2007 فى سياق المحادثات المباشرة).
***
لقد لفت المندوب الفرنسى لدى الأمم المتحدة إلى أن تمديد ولاية البعثة لستة أشهر ــ الذى يهدف إلى زيادة تعبئة مجلس الأمن دعما لعملية سياسية ــ هو استثناء للقاعدة التى تعتبر أن تجديد الولاية لسنة كاملة هو الضمانة الأفضل لاستقرار عمليات حفظ السلام. يمكن النظر إلى هذا التصريح بأنه يلمّح إلى أن التمديد لستة أشهر يعكس إلى حد كبير الدعوة الأمريكية إلى إعادة تنشيط انخراط أعضاء مجلس الأمن فى ملف الصحراء الغربية فى إطار صفقة لضمان دعم روسيا وسواها من الدول المعنية (مثل الصين أو السويد أو إثيوبيا) للقرار من دون إدراج تعديلات إضافية فيه. على الرغم من أن روسيا انتقدت خفض التمديد من سنة إلى ستة أشهر، رحّبت السويد ــ التى قدّم الحزب المعارِض فيها اقتراحا إلى الحكومة السويدية فى العام 2012 للاعتراف رسميا بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية ــ بالخطوة معتبرةً أنها تتيح، فى مرحلة لاحقة، معالجة غياب التوازن الكافى فى القرار الراهن. يشكّل اعتماد روسيا موقفا أكثر تشددا فى مسألة الصحراء الغربية، ردا مباشرا على التشنّجات مع الولايات المتحدة وفرنسا فى سوريا، وعلى الرغم من استعادة القنوات الدبلوماسية نشاطها مؤخرا بين الرباط وموسكو، لا تزال روسيا تميل أكثر إلى الجزائر التى بلغت حصّتها 78 فى المائة من كمية الأسلحة التى نقلتها روسيا إلى إفريقيا بين العامَين 2013 و2017.
بعد التصويت فى الأمم المتحدة على تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء حول الصحراء الغربية لستة أشهر إضافية، أعلن المغرب عن قطع علاقاته مع إيران على خلفية اتهامها بتسهيل تسليم الأسلحة إلى جبهة البوليساريو ومدّها بالدعم اللوجيستى والتقنى عن طريق السفارة الإيرانية فى الجزائر، ومن خلال حزب الله، وكيل إيران فى لبنان. لقد أنكرت جبهة البوليساريو والجزائر هذه الاتهامات، وحذّرتا من أن ما تسعى إليه الرباط، من خلال سوقها اتّهامات عن تواطؤ بين إيران والبوليساريو، هو عرقلة إمكانات حدوث مباحثات مباشرة. أما السعودية والإمارات فقد بادرتا سريعا إلى تأييد الإعلان المغربى. ربما كان الدافع الأساسى وراء الخطوة المغربية هو سعى الرباط إلى إظهار أهميتها الاستراتيجية فى سياق تجدُّد المعارضة الأمريكية لإيران، لا سيما على خلفية الدعم الذى تُقدّمه طهران للإرهاب وتَسبُّبِها بزعزعة الاستقرار فى الشرق الأوسط، وذلك فى أعقاب انسحاب واشنطن من خطة العمل المشتركة الشاملة أو ما يُعرَف بالاتفاق النووى.
***
لقد أبدت السعودية والإمارات، إلى جانب المغرب، دعمها لقوة مجموعة دول الساحل الخمس المدعومة من فرنسا، فى مسعى للتصدّى للاستثمارات الإيرانية المتزايدة ونفوذ طهران المتعاظم فى المنطقة، وفى الوقت نفسه تقديم الدعم المالى لجهود مكافحة الإرهاب التى تبذلها دول الساحل مؤخرا. كما أن الإعلان المغربى عن قطع العلاقات مع إيران قد يساهم فى الحئول دون حدوث أى تغيير فى الموقف الأمريكى من قضية الصحراء الغربية بعد تعيين جون بولتون مستشارا للأمن القومى. يُعرَف عن بولتون دعمه لاستفتاء تقرير المصير فى الصحراء الغربية، وفق ما تطالب به جبهة البوليساريو والجزائر، وقد دعا، قبل سنوات، إلى انسحاب بعثة المينورسو كوسيلة للضغط على المغرب والبوليساريو من أجل التوصل إلى اتفاق حول الوضع النهائى للصحراء الغربية. هذا فضلا عن أن خفض مدّة تمديد الولاية من سنة إلى ستة أشهر يحمل بصمة بولتون الذى يريد الابتعاد عن «تسيير الأمور كالمعتاد» فى قضية الصحراء الغربية، ويرغب فى أن يلمس انخراطا أكبر من جانب مجلس الأمن الدولى بدلا من الرضوخ المعهود للجهة التى تؤدّى دور الوساطة. لقد أبدت روسيا، فى الواقع، امتعاضها من عدم تشاوُر الولايات المتحدة مع الأفرقاء الآخرين بشأن خفض التمديد إلى ستة أشهر، لكن هذا القرار يصبّ فى مصلحتها ومصلحة دعمها لجبهة البوليساريو.
أضِف إلى ذلك أن توقيت إعلان المغرب عن التقارير التى تتحدث عن الدعم الإيرانى لجبهة البوليساريو يمارس بعض التأثير الواضح (وربما كان واضحا جدا بالنسبة إلى البوليساريو والجزائر)، على الصحراء الغربية: لقد قطعت الرباط عمليا الطريق أمام أى محادثات مباشرة مع البوليساريو فى المرحلة المقبلة. وفى حين أعلنت جبهة البوليساريو مرارا وتكرارا عن استعدادها للشروع فى مفاوضات مع المغرب من دون شروط مسبقة، حدّد المغرب بعض المبادئ التوجيهية للمحادثات فى المستقبل، منها احترام السيادة المغربية فى الصحراء الغربية وكذلك الحكم الذاتى. لم يكن المغرب بحاجة إلى إضافة عائق جديد أمام إعادة الانضمام إلى طاولة المفاوضات. فغالب الظن أنه سيتبيّن أن ولاية الستة أشهر قصيرة جدا ولا تكفى لتحقيق أى تقدّم مجدٍ فى مجال توضيح الشروط المسبقة للمحادثات المباشرة، لأن أى ضغوط خارجية على المغرب لتليين موقفه من السيادة والحكم الذاتى، عليها أن تعمل أولا على إنهاء التورّط الإيرانى المزعوم مع جبهة البوليساريو.

النص الأصلى: