نشر فى : السبت 30 يناير 2016 - 10:40 م | آخر تحديث : السبت 30 يناير 2016 - 10:40 م

طرق وأزقة ضيقة ملتوية المسارات، عندما تنتهجها وتخرج منها، تشعر وكأنك تفهم الشخصية المصرية بشكل أفضل. نعم، هناك فى مصر أماكن، مسكونة بأرواح السلسال القديم، تساعد على الفهم، ومنها حى الخليفة بمساجده وأضرحته وما يحتوى عليه من «مشاهد رؤيا» أى المزارات والمقامات التى بنيت فى مواضع رؤية الأئمة والأولياء فى المنام، حتى لو لم يدفنوا فيها ولم يأتوا إلى مصر المحروسة فى يوم من ذات الأيام. نفهم حاجتهم الضرورية لتقديس بعض الأفراد المنتقين ــ الملهمين، إلى حد اختراعهم لو لم يكن لهم وجود.


نصدق الكرامات والمعجزات وننتظرها على العتبات. ولازلنا نشبه هؤلاء الذين وصفهم المقريزى وبن بطوطة والحسن بن الوازن فى كتبهم. تحدث هذا الأخير، والذى عرف أيضا باسم ليون الإفريقى وينتمى إلى المماليك، عن المصريين فى كتابه «وصف إفريقيا»، قائلا: «سكان القاهرة أناس لطفاء ومرحون وهم لا يبخلون بالكلمات الطيبة لكنهم لا يصنعون الكثير من الأشياء..». وقبلها بقليل ذكر مدى حب الناس لمسجد السيدة نفيسة، الواقع بمنطقة الخليفة، وكيف تشرفوا بضريحها وقدموا له النذور والهدايا، «حتى إن الصدقات تصعد سنويا إلى مائة ألف أشرفى (الأشرفى هو الدينار وكان يساوى 3,475 جرام ذهب)، وتوزع بين الفقراء من نسل الرسول.. وعلى إثر دخول الترك.. قام الانكشارية بنهب المزار ووجدوا فيه خمسمائة ألف أشرفى عدا المصابيح والسلاسل الفضية والسجاد، وقد أعاد السلطان سليم القسم الأعظم من هذا الكنز للضريح».
***
مازلنا نشبه من اخترعوا «مشاهد الرؤيا» فى القرون الوسطى للتبرك بأهل التصريف وطلب عونهم لفك الكرب وتخليصهم مما أحاط بهم من بلاء، فى وقت اشتدت فيه الأزمات والحروب. وقد علموا كيف استقبلت مصر الناجين من أهل البيت الذين فروا من بطش الأمويين واحتموا بها، فى أيام عمت فيها الفوضى سائر الأقطار المجاورة. جاءت السيدة نفيسة والسيدة سكينة وغيرهما ممن نمر بأضرحتهم يوميا ناحية شارع الخليفة والأشرف، الذى يسمى أيضا بشارع الأشراف نظرا لاحتوائه على عدد كبير من المساجد والأضرحة التى تنسب لآل البيت، حتى أطلق عليه «البقاع الصغير». من باب إلى باب، نلمح قبة أو مقام بسيط مغطى بلفافة خضراء فنتوقف، ونخلع النعلين، ونقرأ الفاتحة.
نسير على خطى وهدى من طغت أساطيرهم وحكاياتهم على المكان، وهو الأهم عندما نسعى للتطرق إلى تاريخ التدين الشعبى، فنحن لا نسعى بالضرورة لتقفى أثر شيخ صوفى أو صاحب كرامات بعينه للوصول إلى الحقيقة أو لمعرفة مدى صحة المعلومات المتضاربة التى ترد فى المراجع أو على ألسنة العامة حول استقراره فى مصر من عدمه أو أين وافته المنية وموضع الدفن، لكن بالأحرى نهتم بتعليقات البشر ونظرتهم للأمور وإعادة تدوير الحكاية كعادة سكان البلاد، أى ما يصنعه الخيال الشعبى بأبطاله ومريديه. نرتحل غالبا مع هؤلاء الأبطال بين مصر والعراق والمغرب وأحيانا سوريا والحجاز. نتوقف، نخلع الحذاء، ونقرأ الفاتحة أو التشهد.
***
ندلف من شارع ملتوٍ إلى آخر سد، فى محاولة للفهم ولربط المسارات الدينية بالوقائع والظروف السياسية التى واكبت هذا العصر أو ذاك. نعلم أن بدايات الاحتفاء ببعض الأئمة وآل البيت وأصحاب التصريف يرجع إلى القرن الحادى عشر الميلادى، كذلك أن تنظيم الحركات الصوفية بأقطابها الأربعة (الرفاعى والجيلانى والبدوى والدسوقى) يرجع إلى أواخر عهد المماليك. ويقال أيضا بهذا الصدد، والعهدة على الراوى، إن أهل السنة من الصوفيين حولوا أئمة الشيعة إلى أولياء صالحين وأصحاب للوقت وأهل تصريف يتبرك بهم العامة ويسعون إليهم، كطريقة ذكية للحماية من التشيع بأن حفظوا لكل طرف مكانه ومكانته. معلومات من هنا، وتحليلات من هناك.. نسير إلى ضريح صغير ينسب لمحمد بن سيرين، مفسر الأحلام الورع، الذى توفى على أغلب الظن فى العراق، بل يقول البعض إنه لم يأت إلى مصر، مع أن بعض الأهالى يظنون أنه كان يسكن فى مبنى أعلى الضريح، بشارع الأشرف. اسم تلو الآخر ينقلنا من حكاية وذكرى إلى واقعة تاريخية، فالأشرف مثلا الذى أعطى اسمه للشارع هو الأشرف خليل بن قلاوون الذى أخرج الصليبيين من فلسطين بلا رجعة، سنة 1291، أيام المماليك، لكن غيرهم جاء واحتلها.
تحملك قدماك إلى مسجد آخر أو مشهد آخر للرؤيا كقبة السيدة عاتكة أو الجعفرى.. أتوقف وأقرأ الفاتحة، حتى لو لم يكونا مدفونين هناك، هكذا جرت العادة فى أحياء وبلاد تعيش بالبركة.. بركة من سبقونا وعاشوا ومروا بها أو ماتوا فيها.