مع اقتراب بدء مباريات كأس العالم (روسيا 2018)، يتداول الكثيرون أخبارًا عن القنوات الناقلة للمباريات؛ إذ تبث قنوات (bein) القطرية مباريات كأس العالم، كما تبث قناة (مكان) الإسرائيلية مباريات كأس العالم أيضًا، وبتعليق عربي، وكذلك تستعد المواقع الإلكترونية الرياضية لنقل المباريات من شاشات القنوات، ليبقى المشاهد العربي في حيرة، أين سيشاهد المباريات؟ ومتى؟ وكيف؟ ولماذا؟ وهذا العام زادت التساؤلات حول مشاهدة المباريات على قنوات الإسرائيليين، وانقسمت الآراء.

لو كنت من متابعي (أحمد موسى) ستجد أن مشاهدة المباريات على قنوات (bein) القطرية يعد خيانة للوطن، ودعمًا لنظام الإخوان الإرهابي، في حين أن المشاهدة على القنوات الإسرائيلية شيء عادي جدًا (بصوت أحمد موسى)؛ فهي دولة لا تعتدي علينا ولا تدعم الإخوان، كما أنك بذلك تساهم في كسر احتكار القطريين للمباريات الدولية، ومصر لن تركع، وتحيا مصر، تحيا مصر، تحيا مصر.

ولو كنت من متابعي (الجزيرة)، ستجد أن مشاهدة المباريات على قنوات الإسرائيليين يعد شكلا من أشكال التطبيع والخيانة، ودعما لمجازر الاحتلال ضد الإخوة الفلسطينيين، ومشاهدتها على المواقع الإلكترونية يعد مشاركة منك في جريمة القرصنة والسرقة التي تعود بالخسارة على القناة والعاملين، «وأنت ما يرضيكش قطع الأرزاق».

وإذا كنت تتابع المواقع الرياضية المختلفة فإن «التقطيع»، والجودة السيئة، وضعف سرعة الإنترنت سيحرمونك من المشاهدة الممتعة.

وإذا كنت من مرتادي المقاهي فترحّم على مرتبك الشهري، وقبل ذلك ترحّم على أذنيك و«مناخيرك» وصدرك وأعصابك بسبب السباب، والعراك، ودخان الشيشة والسجائر، وشرطة المرافق والمصنفات.

ومهما كانت الشاشة التي ستحظى باختيارك فيجب أن تعلم أن هذه المنافسة هي أمر تجاري بحت؛ فالمنافسة بين القنوات والمواقع – بغض النظر عن انتماءاتهم وأهدافهم – هي منافسة لجذب المشاهدة وفقا للقواعد الإعلامية المتعارف عليها، والهدف منها هو «جيب سعادتك» ونسب المشاهدة، دون النظر لأي اعتبارات أخرى تخصك أو تخص أي أمر سوى المكاسب التجارية والمادية والمعنوية.

ويجب أن تعلم أيضًا أنه في نفس الوقت الذي تشاهد فيه المباريات فإن الحكومة تُجهز الإحصائيات والأرقام التي تدينك بها، بداية من عدد الاشتراكات لقنوات (bein) واشتراكات الإنترنت، مرورًا بترك العمل من أجل مشاهدة المباريات، نهاية بالمشروبات والمأكولات التي يتم شراؤها في أوقات المباريات، لتكون متهما بالتبذير، والكسل، والتخلي عن الوطن، ودعم الإعلام المعارض، وتخرج علينا إحصائيات مركز (بصيرة)، ومركز معلومات مجلس الوزراء، والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والتي تؤكد جميعها أن حجم إنفاق المصريين أثناء كأس العالم تجاوز المليارات، والتي كان إنفاقها على المشروعات القومية أولى.

وقد يتم خلط السياسة بالرياضة، ليدور الأمر في فلك قضية العروبة والاحتلال، هذا إذا كنت تشاهد قنوات الإخوان، ويدور حول سرقة شارة البث أو المشاهدة بطرق غير قانونية، هذا إذا كنت تشاهد قنوات (bein)، ويدور حول اتفاقيات التطبيع والسلام والتجارة والغاز والدفاع والأمن الموقعة سرًا وعلنًا بين الدولة المصرية وجيش الاحتلال الإسرائيلي، هذا إذا كنت تشاهد الإعلام المصري.
وقد يتم خلط الدين بالرياضة، لتُطرح الأسئلة حول مشاهدة المباريات وتأخير الصلاة عن ميقاتها، وعن تحريم دفع الأموال لمشاهدة المباريات.

ووسط كل هذا الخلط والخليط تقفز التساؤلات العقيمة التي تأخذنا إلى تفاصيل تافهة ليس لها أي قيمة، وقد يصل الأمر إلى التشابك بالألفاظ والأيدي، والتطاول، والسباب، والاتهامات المتبادلة حول العروبة، والخيانة، والأمانة، والشرف، والنخوة، وحقوق البث… إلخ.

وأما بعد..

إن الحق بيّن وإن الباطل بيّن، وفي هذا الجدل تحديدًا ليس هناك أمورًا مشتبهات، إذا شاهدت المباريات على شاشات الإسرائيليين فأنت تدعمهم، وتدعم الاحتلال والتطبيع بشكل مباشر، وليس في ذلك أمور مشتبهات، وإذا شاهدتها على قنوات (bein) فانت تدعم القناة ومن يقف ورائها، وتنفق من جيبك أموالًا أنت أحق بها، وليس في ذلك أمور مشتبهات، وإذا شاهدتها عن طريق مواقع الإنترنت التي تسرق البث من أي قناة فإنك تشاركهم في الجريمة وتشجعهم عليها، وليس في ذلك أمور مشتبهات.

في كل الأحوال – تقريبًا – أنت ترتكب خطأ، لكنك لست وحدك، وكلنا كذلك، وأنا لست مُصلحًا ولا ناصحًا؛ فسأقوم بخطأ مثلك تمامًا، لكني لن أُجهد نفسي في تساؤلات، لذلك لا أجد قولًا لك سوى: «اعمل الصح»، وذلك بأن تستريح، ولا تجهد نفسك إلا في تساؤل وحيد: «هاتعمل الغلط ولا لأ!».

اتقوا الله في عقولكم وجيوبكم.