ماذا لو كان اللاعب بوخنشوش جنوبيا من باقي الوطن؟ أو من أولئك المنسيين الذين يسكنون آخر نقطة من الجزائر؟
ماذا لو كان مثلي لا ينطق بعبارة فرنسية ركيكة – ناهيك عن اللغة الإنجليزية؟

فلتكن سقطة إعلامية، من إعلامي متمرس و (شايف).. فلتكن هفوة مهنية من شخص سامي نور الدين، ولم يرم بها شخص الصحافي إهانة لأي منطقة من ربوع هذا الوطن، هفوة لا يتحمل وزرها مؤسسة التلفزيون الجزائري؛ ولكن فلنوسع دائرة النقاش قليلًا، ولا بأس إن جعلنا في هذا الشهر الفضيل (من الحبة قبة) إذا ما تعلق الأمر بالإعلام الجزائري، لأن الخطب جلل بعدما أدخل هذا الأخير فنانات (الكاباريهات) بيوت العائلات، وقال لنا: هيت لك! ولما سأل صحافي على قناة تلفزيونية منتِجًا من منتجي هذه الكاميرات الكاشيات: كيف تدخل الساقطات بيوت الجزائريين وبأي حق!؟ أجاب بسخرية، بأن غالبية هذا الشعب يستمع لأغانيهن ونزواتهن، ويتابعهم على (تويتر، وانستغرام، وفيسبوك)، ولو دخلن جحر ضب لدخلوه!

 صحيح أن غالبية هذا الشعب يستمع أغاني الراي، ويتتبع أخبار المشاهير منهم، سواء كانوا ينشطون على مسارح عالمية أو يكتفون بالملاهي؛ ولكن على النقيض من ذلك، ولو خدش حياءه، ولو لم يعلق على الفيديو الذي حقق (البوز) على ذمة المنتج  بمعاذ الله، فإنه لا يستمتع بخدش ما تبقى من الحياء أمام أسرته أو والديه.
مثل هذه البرامج وأخرى من سيتكومات، لا تكاد تصل إلى عمق المجتمع الجزائري، ولو أرادت أن تتسلى بمعاناة الشعب البسيط لرأينا الابتسامة تفر من محيانا، ذلك لسطحية ما تسلط عليه من أضواء أولا، ونظرًا للحوار الركيك والفكرة الهشة التي تتضمنها أخيرًا!

 هذه السقطة تحيلنا عنوة إلى الحديث حول البرامج النقاشية التي تحلل الجد المستجد؛ مما يحرك الرأي العام، وللأسف كثيرًا ما يكون هذا التحليل سطحيًا يعتمد في غالب الأمر عن آراء الطبقة الفيسبوكية التي – للأسف مرة أخرى – يطغى عليها كم هائل من السخرية الهزلية؛ فتتحول بذلك هذه البرامج إلى مسخرة أكبر تتداولها تلك الطبقة في صور وفيديوهات للمحللين الذين استضيفوا على بلاطوهات تلك القنوات، فيعود الرأي العام إلى سابق رشده منتظرا مهزلة أخرى يسلي بها يأسه، ومن الأمثلة هنا ما لا يمكن حصره مما يذكره المواطن من جد تحول بفعل فاعل إلى تنكيت وهزل: بدءًا من تدخلات البلمانيين، التصريحات غير الأخلاقية لبعض الوزراء، تصريحات رؤساء الأحزاب وآخرها من يصلي صلاة التراويح وراء التلفاز، وأحداث اجتماعية لا تخلو حقًا من بعض الطرافة، أبرزها: تخريب تمثال عين الفوارة.

 نعلم أنه لا يمكن أن يستحيل هذا الشعب على يد صحافي أو قناة تلفزيونية إلى مجمع أكاديمي ديالكتيكي يناقش بالبرهان والحجة، يستدل بالنسب والإحصاءات.. ولكن حسب الصحافي أن يحترم مهنته وقواعدها، ثم يتعلم أنه ليس شاهد عيان فقط، وإنما مصلحًا اجتماعيًا، دوره ترقية الذوق العام، وترقية أساليب الحوار والنقاش.
كان بالإمكان أن نجعل من تلك الكاميرات الخفية مقالبًا لفنانين حقيقيين اكتفوا بالهامش من الإنتاج الرمضاني وهم كثر وإن ضاق المقام لذكرهم.. كما يمكننا أن نحلل تلك التصريحات – وإن تعدد الوقاحة وغرقت في حضيض سياسي – بمهنية، وإن كان لابد من التنكيت فلا نتجاوز نكات ما نحلله حدة.

نعيش يأسًا استفحل داخلنا زمنا ليس بالقصير، نجاتنا مما نحن فيه أن ينجو الجيل الذي بين أيدينا من هذا الكم الهائل من السخف، أن نربيه على ما تبقى أمل، كأن نقدّم اللاعب بوخنشوش ابن مدينة مروانة الذي ضد كريستيانو، نموذجًا للنجاح لا محل استهزاء وسخرية (الصحافي اللي شايف)!