يتصاعد غليان الاضطراب السياسي في المحيط الخليجي على نحو مثير للقلق نتيجة لتبعاته على العمق الأمني والاستقرار السياسي لدول الخليج والمنطقة برمتها. خصوصًا بعد إعلان المملكة العربية السعودية مع الإمارات العربية المتحدة مجلسًا تنسيقيًا بين البلدين أطلق عليه (استراتيجية العزم) للتنسيق التعاوني المشترك بين الدولتين الخليجيتين في عدة قطاعات استراتيجية تشمل القطاع الاقتصادي والبشري والمعرفي السياسي والأمني والعسكري.

وقد تزامن هذا الإعلان غير المتوقع والمفاجئ، مع مرور عام على الأزمة الخليجية وحصار قطر، حيث قامت ثلاث دول خليجية، هي: السعودية والإمارات والبحرين، إضافة إلى مصر في 5 يونيو (حزيران) 2017، بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر بعد اتهام الأخيرة بدعم الإرهاب والتقارب مع إيران وهو ما تنفيه الدوحة. فما هي المضامين التي يشير إليها إعلان هذا المجلس، وفي هذا التوقيت تحديدًا، وما هي الانعكاسات التي من الممكن أن تترتب على ذلك فيما يخص أمن البيت الخليجي والمنطقة بصورة أعم.

إطلاق مشروع استراتيجي على مستوى رفيع في ظل ظروف جيوبوليتكالية معقدة ومتشابكة لا يعد حدث بروتوكولي ودبلوماسي عابر، وإنما يعبر عن حالة حقيقية من التغييرات والمشاريع والتحولات التي يجري تنفيذها على الخارطة ليس فقط على الخليج، وإنما على مستوى المنطقة العربية عمومًا. وستنعكس بشكل مباشر على طبيعة وشكل المنطقة وتحالفاتها وتوزيع مراكز القوى في منطقة الشرق الأوسط.

انهيار مجلس التعاون

انعزال دولتين خليجيتين تمثلان النسبة الأكبر من الكعكة الخليجية جغرافيًا وسياسيًا والأكثر نشاطًا في التعامل مع ملفات المنطقة في اتفاقات تعاونية خاصة مشتركة بعيدًا عن مجلس التعاون، يمثل شهادة وفاة لدور مجلس التعاون الخليجي الذي تم تأسيسه في 4 فبراير (شباط) 1981. كما يعد تهديدًا حقيقيًا لانهيار المنظومة الخليجية الغنية بالنفط والغاز والتي تعد نموذجًا تعاونيًا ناجحًا وتجربة مثيرة للإعجاب في المنطقة لما يقرب من أربعة عقود، بصرف النظر عن التشققات الأخيرة التي شابت العلاقات بين دول المجلس تحديدًا مع دولة قطر، سواء في 1996 أو 2014 في أزمة سحب السفراء وأخيرًا حصار قطر في 2017.

ولذلك فإن هذه التصدعات تعمل على تعميق الهوة بين دول المجلس وتساهم في تمزيق القرار التعاوني الخليجي وتجعل تلك الدول تتجه إلى الانفراد بتبني سياسات خارجية مستقلة تتماشى مع مصالحها بمفردها أو من خلال التعاون الثنائي البعيد عن مظلة دائرة قرار البيت الخليجي الموحد. وبالتالي فإن القرار الخليجي الواحد أصبح جزءً من الماضي القريب، وليس له وجود حاليًا.

ولذلك، فإن هذا يكشف عن رغبة خليجية جادة في الاتجاه نحو الانفراد بممارسة سياسات خارجية تتمتع بالاستقلالية وامتلاك السيادة التامة في اتخاذ قراراتها في الإطار الخليجي أو الخارجي. بالإضافة إلى عدم وجود انسجام سياسي في المنظومة الخليجية ببعضها والاختلاف حول مختلف ملفات المنطقة تحديدًا منذ اندلاع ثورات الربيع العربي. علاوة على ذلك، وجود حالة من عدم الثقة خصوصًا بعد حصار قطر والذي انقضى عليه عام كامل دون الوصول إلى تقارب أو مؤشرات لإنهاء الازمة ومحاولة تضييق دائرة الخلاف ورأب الصدع واخفاق بعض المبادرات التي حاولت السعي إلى ردم هوة الخلاف ونزع فتيل الأزمة بين الأطراف الخليجية. ويعد حصار قطر الدليل الأبرز على حالة عدم التجانس الواضح بين سياسات تلك الدول وعمق هوة الخلاف الفعلي بينها. حيث اتضح تصدع القرار الخليجي في حصار قطر من خلال عدم استجابة الكويت، التي لعبت دور  الوسيط، وعمان في المشاركة بقرار المقاطعة، وبالتالي ظل القرار الخليجي الموحد معطل بل أخفق في تبني أي دور في ظل الأزمة حتى اليوم.

إهمال البحرين والكويت وعمان

وبالرغم من أن مملكة البحرين الصغيرة تشارك في حصار قطر إلى جانب السعودية والإمارات، إلا أن التعاون الاستراتيجي الثنائي أهمل دورها وعزلها عن المساهمة في لعب أي دور تعاوني استراتيجي مهم كهذا وقد ربما يعود إلى دورها غير مؤثر في الخارطة الخليجية، إضافة إلى دولة الكويت وعمان. حيث تسعى الكويت إلى محاولة بعث الروح في اللحمة الخليجية الموحدة، والمحافظة على بقاء الصف الخليجي موحد والحفاظ على المصير المشترك.

التصدعات التي تعصف بالبيت الخليجي تهدد العمق الأمني لكل دول الخليج وبالذات الصغيرة منها، وبالتالي فإن الخطوة الإماراتية السعودية تمثل مصدر قلق لأمن بقية الدول، خصوصًا في ظل استمرار الأزمة الخليجية المعقدة وحصار قطر والتي تعتبر الأزمة الاعقد في تاريخ مجلس التعاون الخليجي ربما والتي بلغت ذروتها بعد التلويح باستخدام القوة العسكرية ضد دولة قطر. حيث كشفت صحيفة لوموند الفرنسية مؤخرًا أن الملك سلمان بن عبد العزيز أبلغ الرئيس الفرنسي ماكرون أنه سيقوم بالتدخل العسكري في قطر في حال حصلت قطر على المنظومة الدفاعية الروسية إس 400 المتطورة، يأتي هذا بعد مرور عام على هذه الازمة دون الوصول إلى تقاربات أو تفاهمات برغم الجهود الرامية إلى رأب الصدع على المستوى الخليجي والدولي إلا أنها لم تنجح في ذلك؛ ما يعني أن الأزمة ذهبت أعمق مما كان يتوقع لها.

فشل حصار قطر

بإعلان التعاون الثنائي المنفرد عن الكتلة الخليجية تكون الأزمة الخليجية قد أخذت منحى آخر يتعلق بمصير ومستقبل العلاقات الخليجية الداخلية والخارجية، فاتجاه الامارات والسعودية للتكامل والتعاون بمفردهما يشير ضمنيًا إلى فشل حصار قطر حيث لم تر الدولتين جدوى للرهانات التي راهنوا بها كثيرًا لإخضاع قطر، بينما يبدو أن قطر استطاعت الوقوف بحزم منقطع النظير في وجه العاصفة وتمكنت من حسم جبهات الصراع المختلفة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية وحتى العسكرية. وإعادة ترتيب تحالفاتها وعلاقاتها مع العالم الخارجي بما يحفظ أمنها واستقرارها من المخاطر الحقيقية التي تتهدد وجودها والخروج من أزمتها بأقل الخسائر، بل تحولها إلى فرصة لتعزيز تقدمها.

من الواضح أن حصار قطر لم يحقق أهدافه ولم يجن الثمار التي كانت ترجوها الدول المحاصرة، بالرغم من المدة الطويلة التي مرت عليه. بل على العكس من ذلك فإن قطر تمكنت من الاستفادة من الحصار في مختلف الجوانب ليس أقلها السعي إلى الاعتماد على الإنتاج الذاتي بما يضمن تأمين السوق المحلي من المنتجات الاستهلاكية الأساسية التي كانت تعتمد على جيرانها في تزوديها بذلك. فضلًا عن امتلاكها القرار السيادي والتخلص من أي تبعية يمكن أن تتحكم بقرارها والسعي للتأثير عليها أو لي ذراعها كما حصل في تجارب سابقة ومنها أزمة سحب السفراء في العام 2014 والعديد من الإنجازات التي احتفت بها قطر في ظل الحصار.

ولهذا فإن القناعة التي توصلت إليها السعودية والإمارات بأن قطر تجاوزت الحصار ومن الصعب الاستمرار في انتهاج سياسات عقيمة لم تنتج حلولًا بديلة، في الوقت الذي تتشبث قطر بكامل سيادتها واحتفاظها بمقاضات تلك الدول على الاضرار التي تسببت فيها جراء الحصار الذي تعتبره الدوحة تهديدًا وجوديًا كان يهدف إلى الإضرار بوجودها؛ ما جعلهم يتجهون بعد ذلك إلى خيار آخر يتسم بالنظرة بعيدة المدى في التعامل مع ظروف الجغرافيا السياسية للمنطقة الخليجية وهو التعاون الاستراتيجي لتكوين كيان خليجي موحد وإن كان مصغرًا؛ ليشكل كيان سياسي واقتصادي وعسكري متماسك لحماية ذاته ومجابهة أي مخاطر محتملة تتهدده، بينما يترك بقية الدول الأخرى، والتي هي دول صغيرة، باستثناء عمان، تبقى بحاجة إلى تكتلات وتحالفات لحمايتها. خصوصًا أن السعودية أدركت عجزها المخل في احتواء مجلس التعاون الخليجي وهو ما أكده حصار قطر حيث وجدت نفسها عاجزة عن حشد الجميع خلف القرار الثنائي لأبوظبي والرياض، عدا البحرين. فيما لم تستجب عمان التي فضلت البقاء بعيدًا عن دوامة الصراع السياسي لجيرانها، بينما لعبت الكويت دور الوساطة للحيلولة دون انزلاق الأوضاع إلى أخطر من ذلك وما هو ما قاله أمير الكويت بأن تدخله منع إيقاف التدخل العسكري الذي كان مخطط له ضد قطر.

إلى جانب ذلك فإن الدور المصري كذلك كان غائبًا تمامًا عن الترتيبات الجديدة التي قامت بها السعودية والإمارات، حيث أنهما كانا جميعًا في خندق واحد في فرض الحصار على قطر. إلا أن التعاون الثنائي الجديد يشير إلى أن السعودية والإمارات سيشكلان قوة قائمة بذاتها على، الأقل حاليًا، بينما لا تعطي أهمية لتحالفات أخرى أو تسعى إلى تمتين علاقاتهما مع المحيط العربي بشكل أوسع والذي تمثل فيه مصر ثقلًا استراتيجيًا رئيسًا في التعامل مع ملفات وأمن المنطقة بالنسبة لدول الخليج. وهذا الاستبعاد لدور مصر والبحرين الذين لا يزالان يجتمعان تحت تحالف واحد ضد قطر يثير السؤال عن مصير هذا التحالف وكيف سيستمر؟

اختلاف السياسيات الخارجية والأطماع بين الدولتين

الملفت للنظر في التحالف السعودي الإماراتي ضمن ما يطلق عليه (استراتيجية العزم) إن الرؤية المقدمة قائمة على تعزيز الالتحام والاندماج على إطار واسع وتمثيل عالي في مشاريع البلدين على مختلف القطاعات. بينما في الحقيقة هما يمتلكان رؤى وسياسيات خارجية تختلف إلى حد كبير عن بعضها، خصوصًا في فيما يتعلق بالأطماع الخارجية والتعامل مع ملفات المنطقة.

بل يصل الأمر إلى أن يكونا قوتين متنافستين فيما يتعلق بنظرة كليهما للمحيط العربي وقضايا المنطقة. حيث تسعى الإمارات إلى لعب دور بارز بصورة تفوق دور السعودية في بلدان الربيع حتى أصبحت رمزًا للثورات المضادة ودعم رموزها سواء في مصر وليبيا أو اليمن قبل انطلاق التحالف العربي الذي تعد جزء منه.

كما يتصاعد نفوذها في اليمن من خلال السعي للاستحواذ والسيطرة على أجزاء واسعة في جنوب اليمن وخصوصًا المناطق الساحلية والموانئ والجزر. ويبرز ذلك بوضوح في أزمة جزيرة سقطرى التي حاولت الإمارات بسط نفوذها على الجزيرة من خلال إنزال قوات عسكرية كبيرة إليها دون التنسيق مع الحكومة الشرعية. وهذا ما اضطر السعودية للتدخل في نزع فتيل التوتر بعد رفض الحكومة الشرعية للإجراءات الإمارتية التي اعتبرتها انتهاك للسيادة اليمنية، ومن ثمّ قامت برفع شكوى إلى مجلس الأمن ضد الإمارات قبل أن يتوصل الطرفان إلى حل بوساطة سعودية.

حيث تقيم الحكومة الشرعية منذ ثلاث سنوات في السعودية؛ ما يعني أيضًا ان السعودية لم تكن تمانع على الحكومة الشرعية تقديم الدعوى ضد نفوذ الإمارات في جنوب اليمن وتقويض دور الحكومة الشرعية. إضافة الى ملفات أخرى قد لا تتفق السياسيات الخارجية للبلدين بشأنها، وهذا ما يثير التساؤل فيما إذا كان التعاون سيصل إلى تفاهمات بشأن السياسيات الخارجية حول ملفات المنطقة المضطربة والملغومة؟!