إني يا ثائرة هنا بعد الحمد، أعوّل على ما أملك من بعض علم النفس الذي لعلّ به ما يشد أزرك، وترفعين به منصبك.

أما عن تعريف علم النفس يا ثائرة، فقد اختلف جموع العلماء حول تعريفه، فقد عرفه كل منهم حسب مجاله، فتسمعين الإغريق يدعونه بعلم دراسة الحياة العقلية، ويقول علماء التحليل النفسي بأنه علم الحياة العقلية الشعورية واللاشعورية، ويعرفه السلوكيون «الذين يعتبرون السلوك هو المحور الأساسي في كل الظواهر النفسية» بأنه علم دراسة السلوك.

أما عن التعريف الأنسب، فعلم النفس ليس إلا دراسة السلوك الإنساني وأسبابه، من خلال الوصول إلى دراسة الحياة العقلية، واستخراج العوامل الشعورية واللاشعورية، فيما يظهر على النفس البشرية.

ويا ثائرة إن أردت أن أعلمك بعلم النفس، فيمكنني أن أحدثك عن حالات وتناقضات، وأمراض، ولكن ربما لن يفتح هذا لآفاق جديدة من العلم، أما عن الأمور الأساسية، والحالات الثابتة في مجالات العلم جميعها، فإليك التالي:

بالنسبة لعلم النفس كأحد فروع العلوم، بعد أن اشتق من العلوم الإنسانية، والعلوم الطبيعية، وبعد فصله عن علم الفلسفة وغيره، استقر هذا العلم وحده، الذي يدرس تقلبات النفس البشرية، وأسباب هذه التقلبات، ويتطرق لدراسة الحالات الشاذة، وإلى الوصول إلى تنبؤات قبل وقوع هذه الأمراض، والقدرة المتقدمة «في السرعة» في التخلص من هذه الأمراض النفسية.

ووصل الحال إلى تقسيم علم النفس بذاته إلى عدة فروع، يترأسها علم النفس العام، الذي يعدّ أكبرها، الذي يهدف إلى اكتشاف المبادئ، والقوانين العامة لعلم النفس، وعلم نفس النمو، «حيث يدرس مراحل العمر المختلفة والأمور التي تؤثر عليها»، وعلم النفس الفارقي الذي يركز على الفروق الفردية بين الأفراد وتأثيراتها، وعلم النفس الاجتماعي الذي يسلط الضوء على كينونة الإنسان الاجتماعية وعلاقاته، وعلم النفس الفسيولوجي الذي يحاول الوصول إلى الأماكن العصبية التي تسبب ردود الأفعال البشرية، والمسؤولة عن النشاطات النفسية، وغير ذلك من الفروع التي يشملها علم النفس.

إذ إن المصدر الرئيس للمعلومات عند جمعها في علم النفس هو «السلوك»، إذ إنه لا يمكن لنا دراسة أمور أخرى، مثل أنه لا يمكننا قياس الشعور لدى الفرد، والأمور الوجدانية، فيشكل السلوك المصدر الأساسي للمعلومات في عمل البحوث الاستقرائية* في علم النفس.

الاستقراء: هو عملية بحثية، وأحد نوعي البحوث العلمية، والنوع الآخر يسمى «الاستنباط».

إذ يقوم الاستقراء على الإحصائيات ومجموعات البيانات المجمّعة عن مجال معين، وجعل نسبة لهذا الاحتمال. مثال: هناك 70% من الأشخاص في مكان معين يدخنون، لو قمت بأخذ عينة واحدة، وأردت معرفة حالته من التدخين، فقبل معرفة أي شيء عنه، سأقول إنه يمكن أنه يدخن باحتمال نجاح توقعي بنسبة 70%، حتى لو كان متدينًا، أو طفلًا أو عجوزًا، فبالنسبة للنسبة الإحصائية، عند إسقاطها على الحالات الفردية المكونة لها، تحصل جميع الحالات على النسبة الأم نفسها.

الاستنباط: هو عملية إيجاد حالة ثابتة «كالقوانين والقواعد والأسس» في النظام الاستقرائي، كانت تجمع بيانات من جميع الحالات، ثم إخراج نسبة وإسقاط هذه النسبة على جميع الحالات الفردية، في الاستنباط يجري الحصول على حالة واحدة، يجري اختبارها والتحقق منها، ثم تثبت في جميع الحالات التي يمكن لك أن تجربها، كأن نقيس سرعة الصوت، وأستنبط أن سرعة الصوت 435 مترًا في الثانية، أقول لك أينما قست سرعة الصوت فهي 435 مترًا في الثانية «ناهيك عن تأثره في الغلاف وغيره»، لكن في الحالات الاستقرائية، أحصل على مجموع معلومات مجموعة معينة، وأخرج بنسبة، لا يمكن لي إسقاطها إلا على أفراد المجموعة نفسها، في حين الاستنباط أحصل على قاعدة من خلال تجارب معدودة، وأحصل على نتيجة ثابتة في كل التجارب التي حصلت والتي ستحصل.

الاستقراء والاستنباط ليسا إلا مجالين في البحث العلمي، لكني أحببت أن أوضح الفرق بينهما لاختلاطهما بعضهما ببعض.

وتصل أهداف دراسة علم النفس إلى التنبؤ بالسلوك، والحالات النفسية قبل حدوثها، ولو سلطنا الضوء على «السعادة» كونها حالة نفسية تؤثر على السلوك تأثيرًا مباشرًا، فيقول سيغموند فرويد:

إن سعادتنا في هذه الحياة، لا تعتمد على غيرنا، بل على مدى قدرتنا على إيقاظها في داخلنا.

وإليك بالأسباب الخفية التي تعقب حدوث حالات نفسية لدى الأشخاص بين حالتين، هما: الكبت والقمع، أما عن الكبت فهو عبارة عن عملية إخفاء للمشاعر، وتجاهلها، ويتوقف تأثيرها على مدى نسيان هذه المشاعر واستذكارها، وهي عملية لا إرادية ولا شعورية، تقوم بها النفس البشرية بدون سابق إيعاز.

أما عن القمع فهو عملية إرادية، يقوم فيها المخلوق البشري بقذف تلك الأفكار التي تهدد استقراره، ومصلحته، وراحته في حياته إلى منطقة اللاشعور، كأن يملك الشخص أبًا جامحًا يتحكم في قرارات الإنسان، فيحاول تناسي المحاور الفيصلية في حياته التي قام بالتنازل عنها لأجل العلاقة بين الأب وابنه، كأن يتدخل في شؤون حياته التي تؤثر على مستقبله، ويحاول تقبل الأمر، وهي الأكثر تأثيرًا وتهديدًا على الإنسان.

ويمكن ملاحظة الكبت والقمع لدى الإنسان من خلال فلتات القلم وزلات اللسان.