الحب عاطفة، كلا، إنما هو شعلة تهب فجأة في القلب، وإن لم تحط بالحكمة والتدبير والحماية فسوف تهب على الشعلة رياح المزاج والتقلب فتنطفئ.

نسمع أحدهم يقول: كنت أحب زوجتي، وبعد زواجنا توقف القلب عن ضخ الحب. فنقول له: كذبت، أنت لم تحبها، ولم تفهم أبدًا معنى الحب الأبعد، الحب الذي تخطى الشعور بمراحل، إنك ربما أحببت فيها ما لا يميزها، الصدر الناهد، وقوامها الممشوق، ووجهها الناضر، وشعرها المهفهف. هذا ما أحببته، أنت لم تعرف كيف تحبها لذاتها، لجوهرها، لشخصيتها الثابتة التي تنضج ولا تذبل، وترتقي ولا تنزل، وتمشى ولا تزل، وتتجدد ولا تمل، أنت لا تعرف ما يميز الإنسان حقيقة، إن ما أحببته فيها يزول. إن جسد المرأة كالثمرة، مع مرور الزمن مرور النضارة، لكن الإنسان بجوهره عكس ذلك، بمرور الزمن يزداد جمالًا وحكمة وعظمة وأنقًا، جمال الباطن وليس الجلد والتجاعيد، وهذا هو ما يبقى، إنك عندما أحببتها وتزوجتها حملت بولدك، وما يليه، وجعلتك أبًا، ورفعت رأسك هذا، وإنك شعرت أنك لم تعد تحبها بعد ذلك؛ لأنك خاضع لقانون كيف نتصرف، ولا ترجع لقاعدته الأولى، وهي كيف نفكر؟ إنك لو فكرت مليًّا لوجدت الإجابة تسنح، إن هذه شخصية تحتاج إلى علاج، ليس عنده إدراك لذاته، ولا إدراك لعقله ليسأل نفسه عن طريقة تفكيره حتى، إنك لتظن أن الحب مشاعر، وبالطبع سيتعجب القارئ «وهل هو غير ذاك؟».

نعم الحب مشاعر في مظهره، بالطبع الأفلام العربية خصوصًا – لا حياها الله ولا صانعيها- كلها تعطينا فكرة أن الحب شعور، لكن الشعور لا يدوم، المشاعر متقلبة بطبيعتها، ولا شيء يبقى على حاله، إن الحب عند من يفهمه هو سلوك، والسلوك يسبق بإرادة، والإرادة تسبق باختيار، والاختيار يسبق بعقل، والعقل يسبق بشعور، فإذا كان الشعور رجح فلانة، فيجب عندها إحكام العقل، أنا من أختار من أحب، ولم يجبرني أحد على ذلك، وإذا اختار القلب ذلك فإننا بطبيعة الحال ننتقل إلى العقل، نعزز خيارنا، نثبت صدقنا، كما يحب أحدنا أن يصبح طبيبًا؛ فإنه يعقل هدفه، ويسعى له، ويتحمل المشاق والصعاب، فيتعرف أكثر إلى طريقه ليعزز حبه ويثبته، إن الحب مسبوق بخيار إرادي، فلا بد أن نتصرف بما يعزز خيارك أنت، فأنت من أحببتها، إن تركت حبك لقلبك فإنه سيزول مع الزمن، أنت من اخترتها وأردتها فاعلم أن هناك ما يميزها غير الحب والجسد.

حسنًا، لنعد إلى رفيقنا الذي مسح الزمان الحب من داخله، وترك نفسه لعاطفته، سنجيب بالطريقة نفسها، إن الحب سلوك، فاسلك بناء على اختيار متجدد، انظر إليها ما الذي يميزها حقًّا؟ امرأة تركت أهلها، وضحت بحياتها معك، أعطتك ثمارها، زوجتك موضع سرك، وجلاء حزنك، وأم أولادك، ومستقر عيبتك، ومستودع راحتك، حبك لأولادك يتطلب حب زوجتك، مهما طرت بعيدًا، مهما رأيت فلن تجد امرأة فعلت لك ما فعلته هي، ولن تظفر بأفضل منها، اجعل حبك لها بلا شروط، فليس شرطًا لتقول لها «أحبك» أن تكون قد طبخت دجاجًا اليوم، طبخت أو لم تطبخ أنت تحبها.

لنتأمل قصة نبي الله لوط، زوجته الكافرة بالله، والكفور بالزوج، كانت لا تحترم دعوته وتفشي أسراره، وتثني سره، ومع ذلك -وهذا شيء عجيب- لم يبتر لوط علاقته بها أبدًا، وبقي زوجًا وفيًّا لها حتى القارعة التي أصابتها، وكان حريصًا من حبه لها ألا تهلك، فأتى أمر الله «إلا امرأتك»، كفرت فانتهت، ما منطق نبي الله لوط حتى يكتفي بامرأة كهذه، ويبقى وفيًّا لزوجه كل هذا؟ إن عقد الزواج لهو سر أبرأ وأقدس مما نظن، فلتكن في قصص الأنبياء الأنضج منا عبرة.

لنتأمل قصة نبي الله نوح، مع ابنه الكافر، ويبكيه ومع ذلك كفر، أعلم أن الحب بينك وبين الزوجة غير حبك بينك وبين ولدك، إلا أنهما جوهر واحد، أنت تحب في الباطن والظاهر عكس ذلك، تدخل البيت فلا تسأل إلا عن الطعام، أو ما فعله الولد في الامتحان، يجب أن تبتدئ الأمر بإظهار الحب غير المشروط، أنت تحب زوجتك بلا شروط، وإن كان بها عيب فيستدرك دون إيذاء، إننا نفشل في المسايرة بين الحقيقة الغريزية وهي الحب، وبين التصرف، مثل الأب الذي يقول كنت أضربه وقلبي ينفطر ألمًا، والأم التي تقول كنت أدعو عليها وقلبي يتمنى عدم القبول، لم ذلك؟! أتنصاع لقلبك في السلب ولا تنصاع له في العطاء، إذن نحن في مشاكسة وجدانية، يقول المتنبي: ما لي أكتم حبًّا قد برى جسدي.

أبرز حبك النابع ولا تخجل، اجعله يشرق كالشمس، ويكون ظاهرًا بغير قواعد، وبغير شروط أو ضمانات؛ لأنه إن لم يكن صادقًا فسوف يُظهر كذبك ورياءك، إذا صدقت في حبك فإن زوجتك ستبدل موقفها بالكلية معك.