بالتأكيد المشاكل الأمنية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية التي تواجهها دول المنطقة، يرجع سببها إلى الدور السلبي التدخلي للدول الإقليمية والدولية، في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، وافتعالها للأزمات فيها، في سبيل لعب دور ريادي في الساحة الإقليمية، تسعى من خلاله للحفاظ على مصالحها في المنطقة، واتباع دول أخرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية لسياسات خاطئة، أفرزت منظمات مسلحة إرهابية، زادت من المشاكل الأمنية في هذه البلدان، وسيطرة تنظيم داعش على جزء كبير من سوريا والعراق خير مثال على ذلك، فضلًا عن هشاشة الأوضاع الداخلية لبلدان المنطقة.

أما المستفيد من الصراعات الجارية في دول المنطقة، يتظاهر بأنه هو دولة الكيان الصهيوني وحلفاؤها، وذلك حسب الدور الذي لعبته في تأجيج نيران الصراعات في كل من سوريا والعراق، وذلك من أجل أن تؤمّن حدودها، ومحاولاتها في صرف الدول العربية والحركات الدينية والسياسية الفاعلة فيها عن تهديدها، وشغلها بمشاكل داخلية، إذ تسعى سعيًا حثيثًا لتأجيج النعرات الطائفية المذهبية في المجتمعات العربية.

ولكن إذا ما نظرنا إلى النتائج التي حصدها الكيان الصهيوني وحلفاؤه من خلال تفجيرهم للصراعات الطائفية، فيلاحظ أنها أتت عكس ما توقعوها، فالواقع يحكي عن تهديد إيران بميليشياتها أمن إسرائيل من النقطة صفر؛ مما جعل تل أبيب تشعر بالخطر، وبالتالي سعت مع حلفائها إلى تطوير استراتيجية يؤججون من خلالها حربًا داخل المذاهب الإسلامية.

تأسيس عليه، يمكننا استقراء سيناريو الحرب داخل المذاهب الإسلامية، من خلال التطورات السياسية والدينية في المشهد العراقي والسعودي.

المشهد العراقي

كما هو معروف أن الانتخابات العراقية الأخيرة أظهرت تقدم التيار الصدري تحت مسمى تحالف «سائرون» عن بقية التحالفات المتسابقة في الانتخابات، وهذا التطور تسبب في حالة عدم رضا بين القوى الشيعية في العراق، مما أدى إلى تعثر عملية تشكيل الحكومة في بغداد، فضلًا عن تشكيك القوى الأخرى في نتائج الانتخابات، ودعوة البرلمان إلى تكرر عملية الفرز، فضلًا عن احتراق مخزن الصناديق، ما دفع بعض المحللين إلى استقراء هذا التطور بأن هناك انقلابًا أبيض يدبر ضد إرادة الشعب العراقي، وهذا ما قد يزيد من تفاقم الوضع السياسي في البلاد.

فالتأزم السياسي السائد في المشهد العراقي، لا نرى فيه للسنة بمكوناتهم السياسية أي دور، بل يدور بين القوى الشيعية العراقية الموالية لإيران والمعارضة لنفوذها في البلاد، بجانب تذمر بعض المجموعات الشيعية، مثل الشيرازيين، إذ تحركوا مؤخرًا ضد سياسات النظام الإيراني في العراق وساحات أخرى، على سبيل المثال هاجم مجموعة من المواليين للمرجع الشيرازي السفارة الإيرانية في لندن، تحت مرأى ومسمع قوات الأمن البريطانية، وهذا يؤكد أن الإنجليز جزء من خطة إشعال الحرب داخل المذاهب الإسلامية.

وإضافة إلى ما تقدم، تشير بعض التقارير إلى أن هناك خلافًا سياسيًّا دائرًا بين مرجعية قم، ومرجعية النجف، أي مرجعية السيستاني، ومرجعية الخامنئي، إذ تشير هذه التقارير إلى أن القيادات الدينية العليا في إيران أعدت مشروعًا لتصدير ولاية الفقيه إلى العراق عبر استهدف مرجعية النجف بشكل مباشر، ومن خلال الخطط المعدة تسعى طهران إلى إنهاء دور آية الله علي السيستاني من دوره بوصفه مرجعًا دينيًّا أعلى للشيعة، بعد تشويه سمعته من خلال إشاعة ارتباطه بعلاقات مشبوهة مع بريطانيا والولايات المتحدة. فضلًا عن إعداد آية الله محمود الشاهرودي لخلافته، والذي يشغل منصب رئيس تشخيص مصلحة النظام في إيران.

ومعروف أن الشاهرودي يحظى بدعم المرشد الأعلى والحكومة وقيادة الحرس الثوري والمخابرات، ويتمتع أيضًا بمقبولية واسعة في العراق من قبل أعداد كبيرة من طلاب الحوزة العلمية والعلماء ورجال الدين وأحزاب سياسية شيعية عراقية مقربة من إيران.

ولكن سعي إيران وراء الهيمنة على قرار المرجعية الدينية في النجف، يتخطى الخلاف الفقهي بين المرجعيتين، إذ أخذ طابعًا سياسيًّا لخدمة مشروع الولي الفقيه، وبالتالي هذا الخلاف قد يتسبب في حرب داخل المذهب الشيعي، وهذا ما قد يتسبب في تأزم الوضع داخل العراق وبقية المنطقة.

المشهد السعودي

أما بالنسبة للتطورات الجارية في المملكة العربية السعودية، وصعود نجم محمد بن سلمان، وقبضته الحاكمة على مفاصل الدول السعودية، وتهجمه على بعض مشايخ الوهابية، ووصفة لهم بالمتطرفين، وقوله بأن الوهابية كانت عبارة عن خطة إمبريالية، مع العلم بأن كل تصريحاته وتصرفاته كانت قد بوركت من طرف القوى الإقليمية كإسرائيل، والغربية كالولايات المتحدة الأمريكية.

وبالتالي يجوز القول بأن استهداف محمد بن سلمان للوهابية يأتي ضمن خطة غربية، الهدف منها هو إشعال حرب داخل المذهب السني، ويكون مركز هذا الصراع هو المملكة العربية السعودية.

وحاصل القول، الحرب المذهبية التي اندلعت خلال الفترة الماضية، أدت إلى انهيار شبة كامل في البنى التحتية لكل من العراق وسوريا واليمن، وبناءً على استقراء الأحداث الجارية داخل المملكة العربية السعودية والعراق، يمكننا توقع اشتعال حرب داخل المذاهب الإسلامية، تكلف دول المنطقة الكثير من الخسائر المادية، ويكون أيضًا المستفيد الأول والأخير هو أعداء أمتنا الإسلامية، فعليه نوصي قادتنا ومفكرينا وساستنا بالتنبه إلى ما يخطط ضد شعوبنا.