مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

أحمد الحاقي (المغرب)

التحدي الذي يواجه أي حملة مقاطعة يتمثل في قدرتها توسيع روابط التضامن ودمج أنماط الاحتجاج الأخرى، خصوصا في عالم الشغل، وبناء تحالفات بين العمال والمواطنين والمستهلكين، ووضع استراتيجيات للإقناع والضغط السياسي.

نجحت حملة المقاطعة في المغرب في الاستمرار ثلاثة أشهر، مستهدفة ثلاث شركات كبرى، إذ يمكن تمييزها في باب الحملات ذات الأسباب الاجتماعية والسياسية “الجذرية”. إذ لا تبدو حملة اقتصادية تقليدية، يحركها ارتفاع الأسعار، أو ضعف الجودة. ومؤكد أنها غير محفزة دينيا أو قوميا أو إيديولوجيا، كمقاطعة الشركات الدنماركية احتجاجا على رسم النبي محمد كاريكاتوريا، أو المقاطعة العربية للشركات الإسرائيلية، أو مقاطعة شركات جنوب إفريقيا في حقبة الأپارتهايد.
وقد دان وزراء في الحكومة هذه الحملة، فهاجمها وزير الاقتصاد والمالية، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، محمد بوسعيد، واصفا المقاطعين بـ”المداويخ” (الحمقى)، وتبعه الناطق الرسمي باسم الحكومة من حزب العدالة والتنمية، مصطفى الخلفي، فزعم أن دعوة المقاطعة مبنية على “معطيات غير صحيحة”، وتوعد أن ترويجها “مخالف للقانون”، واستعطف الجمهور قائلا إن الأمر يتعلق بمصير 460.000 فلاح وأسرهم ومستقبل الاقتصاد الوطني. ولم تنجح ردود الفعل هذه إلا بتأجيج الحملة، فاضطر رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، إلى “تلطيف” هذه التصريحات، مؤكدا التزام الحكومة بمسؤوليتها في حماية المستهلكين.
وقد ترافع باستماتة الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالشؤون العامة والحكامة، لحسن الداودي، لصالح الشركة المتعددة الجنسيات (سنطرال دانون) في لقاء مع قناة “الأولى” المغربية، وقال إن المغرب بالنسبة للشركة ليس غير سوق صغيرة جدا! وعلى العكس بينت أرقام أن المغرب من أهم أسواق هذا العملاق التجاري، الذي يحقق أرباحا سنوية تبلغ 6.6 مليار درهم (قرابة 600 مليون يورو)، ويبدو أن الوزير الداودي خذله الحجاج لصالح الشركة، فقرر الاحتجاج ضد الحملة المقاطعة أمام البرلمان.
مع تزايد حالات المقاطعة انبرى الباحثون والممارسون في مجال التسويق إلى بحث سبل مواجهة المقاطعين اعتمادا على استراتيجيات الشركات المتعددة الجنسيات، وأبرز الخطط في مواجهة حملات المقاطعة. ولا تتوقف مناهضة المقاطعة على الشركات بل تدخل الحكومات على الخط، وتأخذ على عاتقها الدفاع عن الشركات، كما فعلت الحكومة المغربية. وقد يصل التدخل القانوني/ السياسي حد قمع المقاطعين، كما فعل البرلمان الإسرائيلي في يوليو/ تموز 2011، لما أقر قانونا يعاقب أي شخص أو كيان يدعو إلى المقاطعة الاقتصادية أو الثقافية أو الأكاديمية في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية أو في أي مكان آخر من البلاد.
وقد عززت تكنولوجيا الاتصال الحديثة قوة حملات المقاطعة. فالمقاطعون المغاربة اعتمدوا على الأنترنت والتواصل الاجتماعي في حملتهم الناجعة في أن تكون حملة من طراز الحملات العالمية. ونجاح حملة المقاطعة يعتمد على عوامل يصعب قياسها، وبصورة عامة ينجح المقاطعون في تكوين حملتهم، عندما تكون رسالتهم مفهومة بسهولة، وتتزايد فرص نجاح حملة المقاطعة عندما تزداد أهدافها وضوحا، وتعطي تفسيرا مقنعا، لتتمكن من فرض نفسها رمزيا حركة مشروعة؛ ويبدو أن حراك المقاطعين في المغرب قد حقق جزئيا هذه الشروط.
ومن المتوقع أن تحقق المقاطعة أهدافا أخرى، ذات طبيعة ثقافية، فتعيد تكوين الرأي العام أو أجزاء منه، حول قضية أو مجموعة قضايا. وقد تكون لها تداعيات مهمة على المستوى الفردي، انطلاقا من العمل اليومي الذي ينفذه المواطنون الشباب من نشطاء الحملة، والذي سيساهم قطعا في تكوين أجيال جديدة حول العمل الجماعي والمصلحة المشتركة.
وفي السياق الذي تبلورت فيه الحملة، لا يمكن التغاضي عن التقاليد التي كرسها الحراك الاجتماعي في المغرب الذي جذر دينامية 20 فبراير، ونزع عنها المحفزات الإقليمية.
التحدي الأخير الذي يواجه أي حملة مقاطعة يتمثل في قدرتها توسيع روابط التضامن ودمج أنماط الاحتجاج الأخرى، خصوصا في عالم الشغل، وبناء تحالفات بين العمال والمواطنين والمستهلكين، ووضع استراتيجيات للإقناع والضغط السياسي.

إعجاب تحميل...