لم يضبط المجتمع التونسيّ بعدُ رؤيته ومنهجه ورسالته ودوره، فتداخلت فيه المرجعيّات، وتنازعت السياسات، وغابت الاستراتيجيّات والبرامج الدقيقة، وعجزت القيم التقليديّةُ العرفيّةُ والدينيّةُ عن توجيه السلوك.

رمضانُ في الخطاب الدينيّ شهرُ ترويضِ الجسد، وتهذيبِ النفس، وانتصارِ الأمّة، وبِشارةِ المسلم. فترويض الجسد يتحقّق بالإمساك عن الطعام والشراب وسائر شهوات الجسد. ويقال إنّ دوران رمضان على فصول السنّة يعلّم الصائم الصبر على الجوع والعطش في مختلف الظروف. ورمضانُ ميقاتٌ لمراجعة النفس، ومحاسبتِها وتزكيتِها وتربيتِها على الفضيلة، وقوّةِ الإرادة، وتنظيمِ الوقت، والشعورِ بوحدة المسلمين وتساويهم.
وفي رمضان أحداثٌ كبيرة غيّرت واقع المسلمين، أوّلها غزوة بدر الكبرى التي فتحت تاريخ انتصار المسلمين وانكسار قريش. وما فتئ المسلمون يضيفون إلى هذه الواقعة معارك وحوادث يسبغون عليها قداسةً لوقوعها في رمضان، ومن أشهرها في عصرنا قصّةُ العبور في حرب أكتوبر 1973. وينفتح رمضان إلى أفُق ورديّ، بدايتُه في الدنيا الورعُ والتقوى والصلاحُ والطمأنينةُ وسعةُ الرزق، وكلُّ ما يصنع سعادة المتديّن، ونهايتُه في الآخرة جنّاتٌ ونعيمٌ مقيم. ولهذا الأفق في رمضان أوقاتٌ معلومةٌ وأحداث ثابتة، من أهمّها نزول القرآن وليلة القدر. وبمجموع هذه الأبعاد الأربعة (ترويض الجسد وتهذيب النفس والانتصار العسكريّ وأفق التبشير) يحرّر رمضان المسلم من حدود المادّة وأمراض النفس، ويوجّهه إلى التعلّق بالمهمّات التاريخيّة، وبشائر السعادة والنجاة. ويحرص الفقهاء والدعاة وأئمّة المساجد على تكرار هذه المعاني في كلّ سنة، ويبالغون في تعظيم رمضان، وتزيينه في عيون المسلمين.
وما زالت المؤسّساتُ الدينيّة ووسائل الإعلام تقتات من هذا الخطاب، فتعيد تسويقه على عجل في كلّ رمضان، وتخصّص له خطبا ومواعظ وبرامج تلفزيونية سريعة، إلّا أنّ رمضان، في 
“تدلّ مشاهد مكرّرة في رمضان على أزمةٍ عميقةٍ في المجتمع التونسيّ”

واقع الناس، يهدم هذه الصورة النضِرة هدما، فهو شهر الأكل والشره بلا منازع، فتُغلَق الشوارع بالسلع الغذائيّة، وتتعطّل حركة المرور، ويتدافع الناسُ، ويقبلون على الشراء كأنّهم يستعدّون لمجاعةٍ مُحدقة، وترتفع الأسعار، ويغلب الغشّ والرياء، حتّى موائدُ الإفطار ومساعداتُ الفقراء صار بعضها مشاريع دعاية. وتخصِّص الشركات عروضا لرمضان، وتبثّ القنوات ومضاتٍ إشهاريّةً، لا يبقى فيها من الإنسان إلّا شهوة الأكل، ورأينا في بعضها أفراد عائلةٍ منهمكين في التهام اليوغورت (اللبن) لا يجيبون سائلا، ولا يكترثون لشيءٍ ممّا يحيط بهم.
ويحتفل ناسٌ كثيرون بتديّن علنيّ موسميّ، أشهر مظاهره صلاة التراويح التي يؤمّ المصلّين فيها أئمّةٌ يقلّدون قراءة غيرهم في التلاوة والقنوت. ومنهم من يضيف إلى القراءة مقاطع بكائيّة مقلّدة أيضا. ويكون صوت الإمام، في أحيان كثيرة، قويّا جدّا يسمعه أهل المدينة، فإذا انقضى رمضان انقطع التديّن المجلوب، وعاد الناس إلى نسقهم المألوف في التقليل من نوافل الصلاة، بل منهم من يترك الصلوات الخمس.
وتهجم القنوات على الناس بُعَيْد الإفطار ببرامج الدراما والكاميرا الخفيّة، ويغلب على أكثرها الفكاهة الباردة والدعابة الثقيلة. ومنها ما انحدر إلى العالَم السفليّ، عالَم القتل والانتحار والسرقة والمخدّرات والخيانة الزوجيّة والسجون. وصار من أدوات حشر المشاهد في زاوية الغرائز والاستهلاك المتوحّش. ويقول أصحاب الدراما الرمضانيّة العنيفة إنّها أعمال فنّيّة واقعيّة، تصوّر الواقع فنّيّا، ومن حقّ من لم تعجبه مشاهدةُ غيرها. والواقعُ أنّها تصوّر واقعا محدودا أو مخترعا. وتروّجه، وتفرضه على المشاهد بتقنيات الصورة والإخراج، وتوجّه سلوك المشاهد، لاسيّما الطفل، إلى التأثّر به وتقليده، فتخترع واقعا عنيفا، وتروّج قيم الفتْك والغريزة والمادّة، وتطمس قيم الفضيلة، ويحتمي أصحابها بحريّة التعبير والإبداع، فيحاولون صرف الناس من مناقشة موضوعها وجماليّتها، وأثرها السلبيّ، وحاجة المجتمع إليها، إلى مناقشة حقوقهم في مشاهدتها ومقاطعتها.
وأصبح مألوفا في رمضان في تونس أن ينقسم الناس فريقين: متديّنين وعلمانيّين. ويدعو الأوّل إلى إغلاق المقاهي والمطاعم في النهار. ونظّم هؤلاء وقفةً طالبوا فيها بغلقها، وباحترام مقدّسات المسلمين. ومنهم من جعل يطوف عليها، يصاحبه عدْل منفِّذ، وطالب أصحابها بغلقها، وهدّدهم بالمتابعة القانونيّة. ويدعو الفريق الثاني إلى الحقّ في الإفطار، والمجاهرة به، وممارسته بحرّيّة مطلقة، ونظّم هؤلاء وقفاتٍ أكلوا فيها وشربوا في نهار رمضان. ويتردّد أصحاب الموقفين بين الوعظ الفجّ والتحرّر الاستعراضيّ، وتضيع في جَلَبتهم مناقشة أصل الخلاف، وهو تعارض حقّ الإفطار وحقّ حماية المقدّس الدينيّ، وينقطع الحوار وتتعطّل القيم. ويتوقّف إدراك الفريقين عند حاجز التعارض، فلا يرون حلّا للخلاف إلّا بغلبة أحدهما وقهر الآخر. فلذلك يتجدّد الخلاف في كلّ رمضان، ويكرّر كلّ فريقٍ موقفه، من غير أن يستفيد شيئا من سابق تجربته.
تدلّ هذه المشاهد المكرّرة في رمضان على أزمةٍ عميقةٍ في المجتمع التونسيّ، فشهر الصيام، 

“لم تستقم في التجربة الديمقراطيّة القصيرة منظومةٌ من الأخلاق العموميّة المدنيّة”

كما وُصف في النصوص الدينيّة، لا يكاد يبقى منه شيء غير الامتناع عن المفطرات. ويعلم الناسُ أنّ أكثر ما يفعلونه، ويُقْبلون عليه، فيه مخالفٌ لمقاصد الصيام وروحه، وينتقدون أنفسهم. لكنّهم يصرّون على الفعل، فيعمّقون حالة الانفصام بين الاعتقاد والممارسة، حتّى صار هذا الانفصام جزءًا من شخصيّتهم وثقافتهم، وغلب عليهم الكسلُ، والتديّنُ الموسميُّ، والتقليدُ فيه، والانحدارُ إلى سُفْلِ المادّة والغريزة والفتْكِ والانحرافِ، وتعميقُ التعارض، وتأبيدُ الشقاق.
وتُبيّن هذه الأمور أنّ المجتمع التونسيّ لم يضبط بعدُ رؤيته ومنهجه ورسالته ودوره، فتداخلت فيه المرجعيّات، وتنازعت السياسات، وغابت الاستراتيجيّات والبرامج الدقيقة، وعجزت القيم التقليديّةُ العرفيّةُ والدينيّةُ عن توجيه السلوك، ولم تستقم في التجربة الديمقراطيّة القصيرة منظومةٌ من الأخلاق العموميّة المدنيّة، وغلبت في الاستعمال الشعبيّ مفاهيمُ مُبهمة، يبرّر بها الناسُ سلوكهم، فكلّ مرغوبٍ مثلا حقٌّ يقرّه القانون والدستور؛ وكلُّ عملٍ وشهوةٍ حرّيّةٌ لا يحقّ لأحد كبتها. وليس من السهل إنجاحُ التجربة الديمقراطيّة وتثبيتُها ما لم تتوقّف سياسةُ تَضْرِيةِ الغرائز، وتغْييبِ العقل، وتقْنينِ الفتك، ونزيفِ القيم.