خلق الله – عزّ وجلّ – الإنسان بطبيعة مزدوجة، ففيه شقٌّ طينيّ، وفيه شقّ روحي، وهو مزيجٌ من عالم المادّة والروح (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِين).. والناظر المتأمّل في هذه الأية، يجدُ أنّ أبانا آدم، لم يستحقّ هذا التكريم الذي ناله، والذي تمثّل في سجودِ الملائكة له، إلّا بعد النفخة الروحيّة فيه.

وفي الحقيقة، فإنّ هذه النفخة الروحيّة، هي التي ترتقي بالإنسان إلى مرتبة الإنسانيّة، فالإنسان لا تظهر إنسانيّته، إلا عندما يبرز فيه هذا الجانب الروحيّ، ليكون أسمى من الجانب الماديّ في كيانه.. وهذا السموّ الروحي على الشقّ المادي، يتحقق بمفهوم (الإرادة) أوّ (التقوى)، والتي ميّز الله – عزّ وجلّ – الإنسان بها، فبغير (الإرادة) أو (التقوى) لا نستطيع التمييز بين عالم الإنسان وعالم البهيمة، والإنسان الذي يغيّب (الإرادة) أو (التقوى) لتجنب المحظورات، بتغليب الشهوة عليها، يصبح كالحيوان المسوق.

لقد حقق الإسلام التوازن بين هاتين الطبيعتين الكامنتين في جوهر الإنسان، كما لم يحققها أيّ نظامٍ أوّ فلسفةٍ أخرى، فنحن نجد في النصّ القرآني وقبل خلق آدم أنّ الله – عزّ وجلّ – قال للملائكة منذ اللحظة الأولى (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)، في إشارةٍ واضحة للعناية بالجانب الماديّ في الإنسان، ونجد في المقابل، أنّ الله – عزّ وجلّ – عندما أدخله الجنّة، أباح له ثمار الجنّة إلّا شجرة (وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)، فهي إشارة على ترسيخ مفهوم (الإرادة) أوّ (التقوى) لتكون مفرق الطريق بين الإنسانيّة المريدة والحيوانيّة المسوقة.

ونحن إذا نظرنا في النظمُ والفلسفات الأخرى، نجد أنّها دومًا أحاديّة الجانب، فمنها من يقدّم الشقّ الروحيّ ويهمل الشقّ المادي، وبذلك يحصل الخلل، ومنها من يقدّم الشقّ الماديّ ويهمل الجانب الروحي وبذلك يحصل الخلل أيضًا، ففي المسيحيّة على سبيل المثال نجد أحادّية الجانب فيها جليّه، فهي لا تعترف بهذه الطبيعة الإنسانيّة المزدوجة: (لا يقدر خادم أنّ يخدم سيدين، لأنّه إما أنّ يبغض الواحد ويحبّ الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر، لا تقدروا أنّ تخدموا الله والمال) إنجيل لوقا 13:16، وفي الفلسفات المادّية، نجد أنّها ترتكس بالإنسان إلى عالم المادة، ولا تعترف بشقّه الروحي وأصله السماوي من الأصل، وبذلك يوغل الإنسان في ليلٍ من الانحطاط الحيواني المظلم.

لقد جاء الإسلام، حتى يرتقي بالجانب الروحيّ في الإنسان، فلا يطغى الجانب الماديّ عليه، وهذا واضحٌ من خلال أوامره ونواهيه، ومن خلال الطاعات والعبادت التي من شأنها أنّ تتيح للأرواح أنّ ترفرف عاليًا، ولعلّ أعظم الساحات التي تجعل الأرواح ترفرف إلى درجةٍ سامقة هي ساحة الصيام، إذّ إنّ غاية الصيام الأساسيّة هي (التقوى) أوّ (الإرادة).. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

والتقوى كما عرّفها الشهيد سيّد قطب: حساسية في الضمير، وشفافية في الشعور، وخشية مستمرة، وحذر دائم، وتوق لأشواك الطريق.. طريق الحياة.. الذي تتجاذبه أشواك الرغائب والشهوات، وأشواك المطامع والمطامح، وأشواك المخاوف والهواجس، وأشواك الرجاء الكاذب فيمن لا يملك إجابة رجاء، والخوف الكاذب ممن لا يملك نفعًا ولا ضرًا. وعشرات غيرها من الأشواك.

ويتحقق هذا المفهوم بشكلٍ كبير في الصيام كما لا يتحقق في غيره من الفرائض، إذّ إنّ الصيام يمتنع فيه الإنسان عن الطعام والشراب وهو في متناول يده، وعن الشهوات وهو باستطاعته أنّ يقترفها، وعن كلّ أشواك الطريق، وذلك عن طريق الإرادة والتقوى، فهي تمارينٌ شاقّة تختبر مدى إرادة الإنسان وتقواه، ليستعلي الإنسان في نهاية المطاف على ضرورات جسده وشهوات نفسه وشقّه الماديّ الطيني، ولتنطلق أشواق روحه إلى السماء، ليتحقق بذلك الاستعلاء الروحيّ، الذي يحقق إنسانيّة الإنسان، وهذا ما ينشده الإسلام.