بعد أن تحدثت عن دور المؤسسات الدينية فى تغييب العالم العربى عن الوعى وبالتالى عن اللحاق بالعالم الحديث المتطور، أتحدث اليوم عن الأشكال التنظيمية التى تعيق العالم العربى عن اللحاق بهذا التقدم وتحديدا عن «القبيلة» باعتبارها واحدة من أهم هذه المعوقات.


لا أتحدث عن المعنى الضيق لمفهوم القبائل والذى يعنى مجرد الانتماء إلى أسرة كبيرة لها شيخ وتقاليد لابد أن تتبع كمصدر من مصادر الحماية والترقى، ولكنى أعنى بها أيضا المعنى الثقافى والاجتماعى والسياسى، والذى يعنى أن الوعى العام للمواطن العربى فى المتوسط هو وعى قبلى، يشعر بالحماية والقدرة على الترقى كلما اعتمد على قبيلته العصبية أو الاجتماعية أو الثقافية.


على الرغم من أى عيوب أو مثالب من الممكن أن نأخذها على الدولة القومية الحديثة، فإن أهم إسهاماتها للتنظيمات المعاصرة هى أنها أنشأت رابطة جديدة للتواصل والحماية والترقى، ألا وهى رابطة «المواطنة» المعتمدة بالأساس على ترتيبات قانونية هى معيار العلاقة بين مؤسسات الدولة وبين مواطنيها، وبين هؤلاء المواطنين بعضهم البعض.


الدولة القومية فى نسختها الأحدث بعد الحرب العالمية الثانية تمتعت بثلاث سمات رئيسية: السمة الأولى هى سمة المؤسسية، أى أن الدولة أصبحت بالأساس تدار من خلال مؤسسات تقليدية (تنفيذية وتشريعية وقضائية)، وأخرى غير تقليدية (إعلامية وأكاديمية وثقافية) وهذه المؤسسات تنشأ بينها علاقات مرتبة دستوريا تقوم على درجات متباينة من السلطوية/الديموقراطية. وهى ثانيا علمانية بالمعنى الحيادى، أى أن جهاز الدولة فصل نفسه عن حكم المؤسسات الدينية (وليس عن الدين)، وأصبح يتعامل مع المواطنين على قدم المساواة القانونية، ثم كانت السمة الثالثة والأخيرة وهى سمة التصنيع والتكنولوجيا والبحث، أى أن إنتاج الدولة أصبح يعتمد على التصنيع والذى بدوره يعنى مزيدا من البحث والتنظيم وهو ما تطلب المزيد من التعقيدات السياسية، حيث نشأت النقابات العمالية والمهنية ومنظمات المجتمع المدنى وأضافت بعدا جديدا للتنظيم المجتمعى والسياسى.

 

***

فى عالمنا العربى لم تحظىَ الدولة بنفس هذا القدر من التطور، فمن ناحية مازالت معظم الدولة العربية تفتقد المؤسسية، وعلى الرغم من وجود مؤسسات رسمية وغير رسمية فإنها مازالت لم تتجذر فى الفكر السياسى والمجتمعى للدولة والمجتمع، فالمؤسسات هى غطاءات رسمية لعلاقات غير مؤسسية قائمة على مفهوم «الأب» و«الكبير» وبالتالى على مفهوم القبيلة. هذا فضلا عن أن التمايز بين هذه المؤسسات غير موجود فى معظم الحالات العربية، فالكل مختزل فى السلطة التنفيذية والأخيرة مختزلة فى القائد!.


الدولة العربية أيضا مازالت تتصرف باعتبارها متحدثة باسم الدين، وتصمم أن لها «أديانا» تمثلها، وعلى الرغم من أن هذا محض أوهام ــ لأن مؤسسات الدولة لا يمكن وصفها بالمسيحية أو الإسلام، فهى شخصيات اعتبارية لها مركز قانونى ودستورى ــ فإن تأميم الدين هو إحدى أهم سمات الدول العربية كما تمت الإشارة سابقا.


وأخيرا فعلى الرغم من أن بعض الدول العربية قد نالها بعض الحظ من التصنيع وبالتالى من القدرة على تعقيد تنظيم الشكل السياسى للدولة، فإن هذه النهضات الصناعية تراجعت بقوة أخيرا وأصبحت الدول العربية فى معظمها ريعية تقوم على مفهوم الجباية والحماية مقابل الولاء وهو منطق قبلى بامتياز.

 

***

القبلية العربية متنوعة، فهناك القبلية الثقافية والتى تعنى أن أبناء التيارات الفكرية المتشابهة يتعاملوا مع هذه الأطر الثقافية ليس باعتبارها محددات مرنة للجدل الفكرى والثقافى ولكن كأبواب مغلقة للتمترس وصناعة هويات مغلقة متخيلة. وهناك القبليات الاجتماعية وهى إما الانتماء للقبيلة بمعناها الحرفى وهذا هو وضع عدد كبير من الدول العربية أو الانتماء إلى شلة بعينها وهذا هو الواقع فى دول أخرى، وهناك أيضا القبليات الوظيفية وهى تعنى أن المؤسسات فى العالم العربى ما هى إلا غطاءات قانونية لمجتمعات عرفية شديدة القبلية تتبادل المكاسب وتوزيع القيم والموارد، لها قوانينها وأعرافها الخاصة.


الوضع السياسى لا يختلف كثيرا، أحد أهم المعوقات السياسية نحو مزيد من التعددية أو على الأقل تخفيف حدة السلطوية هو أن المجتمعات السياسية العربية هى فى معظمها قبلية أيضا، الروابط بين أعضاء معظم الأحزاب (إن ووجدت هذه الأحزاب من الأصل) هى روابط شللية، الأيديولوجيات واللوائح هى غطاء لتربيطات مصلحية وشخصية يختلط فيها العام مع الخاص، ومن هنا فالشللية السياسية ليست فقط ميل شخصى ولكنها ثقافة عامة تعيق وتمنع العمل التعددى المحترف.


أما فى الدول التى لا يتواجد فيها أحزاب سياسية إما لأن الأخيرة ممنوعة أو مقيدة، فكل المنشعلين بالشأن العام ليس عليهم سوى التماهى مع السلطة باعتبارها القبيلة الأكبر القادرة على الحماية والداعمة لعملية الترقى المجتمعى أو أن يكون البديل روابط بدائية عصبية أو دينية أو طائفية تحل محل القبيلة وبالتالى يحدث التباعد التام للمجتعمات العربية عن نظيراتها الغربية والمتقدمة.

 

***

هذه القبلية تدفعنا دفعا لإعادة النظر فى مفهوم الدولة العربية القومية (الوطنية) وما حدث لها بعد ما يقرب من ثلاثة أرباع قرن من بعد الاستقلال، هذه الدولة والتى بدت باعتبارها الإطار التحديثى لاستقلال الشعوب العربية وتمكينهم من مصيرهم بعد عقود من الاحتلال لم تفعل سوى ما فعله المحتل بالفعل! فشلت فى التحديث ولم تنجح سوى فى التقسيم، فشلت فى تقديم إطار قانونى حديث لتفعيل مبدأ المواطنة ولم تقدم إلا على المزيد من التقسيمات القبلية والطائفية لمجتمعاتها من أجل التحكم فيهم، لم تقدر على تقديم مؤسسات حديثة قادرة على تطوير الروابط الاحترافية بين مواطنيها وقدمت بدلا من ذلك خيالات مؤسسية ساهمت فى المزيد من الإفساد للمجتمع، لم تنجح فى فصل نفسها عن المؤسسات الدينية من أجل إعطاء مساحة حقيقية لمواطنيها للتفاعل المباشر معها ومع أدواتها ولكنها استسهلت تأميم المؤسسات الدينية من أجل سيطرة وتعبئة أسهل لهؤلاء المواطنين، الذين هم فى التحليل الأخير مجرد أعضاء فى قبائل أصغر تكون القبيلة الكبيرة (الدولة) دون أدنى رغبة حقيقية فى الحديث عن الحقوق، فقط واجبات مقتصرة على تقديم فروض الولاء والطاعة المطلقة.


أين الحل إذن ؟


لا يوجد حلول إلا فى التخلص من هذه القبليات، وهذه القبليات لن تنتهى إلا بعقد جديد بين الدولة والمجتمع، وهذا العقد لن يأتى إلا بتعديلات دستورية وقانونية تتمكن فيها الشعوب من الرقابة والمحاسبة، وتتحول فيها الدولة إلى مجموعة من المؤسسات الفاعلة المستقلة التى تتمكن من رقابة بعضها البعض. ولا طريق إلى ذلك سوى بثلاثة سيناريوهات:


ــ إما أن تتبنى الدولة أو أحد مؤسساتها هذه التحديثات، وهذا مستبعد بكل أسف فى معظم الدول العربية أخذا فى الاعتبار طبيعة وخلفية النخب المسيطرة على الحكم فيها.


ــ وإما أن يقرر المثقفون وقادة الفكر والرأى قيادة نهضة حقيقية تعتمد على الأفكار الحداثية والتخلى عن دور «الترزى الوطنى» وهذا أيضا مستبعد لأن المثقفين العرب فى التحليل الأخير هم أنفسهم شيوخ قبائل شلل ثقافية ونخبوية.


ــ وإما أن يقرر المواطن العربى بنفسه قيادة هذه التعديلات والتمرد على هذه الروابط البالية، وعلى الرغم من أن الاحتمال الأخير صعب ومكلف، فإنه يظل الأقرب حدوثا من الاحتمالين الأخيرين ويظل الأمل الوحيد للتخلص من هذه المعوقات.