{قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.

نعم، إن الأرض لله، وليست لأحد غيره، وكل من في الأرض نزلاء فيها، وهو وحده مَنْ يحدد مَنْ يسكنها؟، ومتى يخرج منها؟ وفق سننه وحكمته، وهو وحده صاحب الكلمة العليا فيها، فلا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، والحلال ما أحله، والحرام ما حرمه، وليس هناك حق لأحد أن يحكم في ملكه، إلا بكلمته ووفق مشيئته، وليس هناك مهمة للرسل وأتباعهم، إلا إقرار هذه الحقيقة في الأرض، وجهاد كل من يَحول دون إقرار هذا الحق له {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}، ووعدهم إن كانوا صالحين في أنفسهم، مجاهدين لإقرار هذه الحقيقة في الأرض، أن يستخلفهم فيها، وأن يمكن لهم دينهم {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}.

وعلى هذا، ووفق هذا التصور؛ كانت مهمة الأمة الخاتمة، أن تقر هذه الحقيقة في ربوع الأرض، وأن تعبد الناس لرب الناس، وأن تقصم ظهر كل من يحول بينها وبين تبليغ كلمة الله، وأن تسعد العالم بشريعة الله، فأصبح السعي لفتح كل أرض باسم الله واجبًا، والتفريط في أي أرض تم فتحها جريمة، والسعي لاسترجاعها لحوزة المسلمين مرة أخرى، واجب تأثم عليه إن قصرت فيه، أو تقاعست عنه.

ولذا فقد استقر في وجدان الأمة، أن كل بقعة أرض حكمها المسلمون يومًا فتحًا أو صلحًا، ولو لفترة وجيزة هي ملك للمسلمين، لا يجوز لأحد أن يفرط فيها، ففلسطين -وفي القلب منها بيت المقدس– وإسبانيا، والبرتغال، واليونان، وبلغاريا، ورومانيا، والمجر، ويوغوسلافيا، وصربيا، والبوسنة، والهرسك، وكوسوفا، ومقدونيا، وقبرص، وبعض النمسا، ومالطا، والهند، وأذربيجان، وأرمينيا، وغرب الصين، ومعظم فرنسا كلها بلاد إسلامية، يجب على المسلمين السعي لاسترجاعها، وضمها مرة أخرى إلى دولة الإسلام.

فماذا لو كانت هذه الأرض هي بيت المقدس؟ تلك المدينة التي بناها الأنبياء، وسكنها الأنبياء، ودفن فيها الكثيرون منهم، بناها داوود، وأكمل بناءها سليمان، وسكنها عيسى -عليه السلام- وأمه مريم، وخليل الله إبراهيم حيث دفن فيها وزوجته سارة، ومن بعده إسحاق، ويعقوب، ويوسف، وموسى، وعيسى -عليهم جميعًا وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام-، وما كان حرصهم على سُكناها، والدفن فيها، إلا لعلمهم بقداستها، وفضلها على غيرها من البلدان، كما قال موسى -عليه السلام- لقومه بعد أن نجاهم الله من فرعون {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ}.

وماذا لو كان بها جزء أصيل من تاريخ دعوتهم وعقيدتهم؛ عقيدة التوحيد؟ حيث بها المسجد الأقصى ثاني مسجد بُنِي في الأرض بعد بيت الله الحرام، ومحراب زكريا الذي بُشّر فيه بيحيى، ومحراب مريم، وحائط البراق الذي ربط النبي فيه البراق في رحلة الإسراء والمعراج، والصخرة المباركة… وغيرها.

ولذا وجه الله -عز وجل- نبيه والأمة إلى فضل هذا المكان، وإلى أنه يجب أن يكون في يد أمة التوحيد لا في يد غيرها، فجعله قبلة المسلمين الأولى، حيث ظَلَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- يتجه إليه في صلاته ستة أو سبعة عشر شهرًا قبل بيت الله الحرام، وجعله مسراه في رحلته إلى الملأ الأعلى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، وجعل المسجد الأقصى من الأماكن التي تفضل فيها العبادة عن غيره، والتي لا تشد الرحال للعبادة إلا له.

فكانت رحلة الإسراء فتحًا معنويًّا لبيت المقدس، تبعها الفتح العسكري في عهد أمير المؤمنين «عمر بن الخطاب» سنة 13 هـ، وتم سنة 18 هـ، ومنذ ذلك التاريخ والقدس ملك للمسلمين إلى يوم القيامة، لا ينازعهم فيها أحد، وهو ما نصت عليه العهدة العمرية التي كتبها أمير المؤمنين «عمر بن الخطاب» لأهل إيلياء، والتي نص في بندها السابع على ألا يجاورهم فيها اليهود.

وفهم الآخرون ذلك، فأولوها اهتمامهم، وشدوا إليها الرحال زائرين وساكنين، فزارها بعد «عمر بن الخطاب» من الخلفاء «عمر بن عبد العزيز، وعبد الملك بن مروان، وسليمان بن عبد الملك»، وسكنها الكثير من الصحابة الكرام حتى ماتوا فيها مثل «عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وفيروز الديلمي» وغيرهم -رضوان الله عليهم أجمعين-، وبعد أن وقع بيت المقدس في أيدي الصليبيين لم يهدأ لهم بال، حتى استرجعوها مرة أخرى إلى حوزة المسلمين، فكان «صلاح الدين»، وكانت معركة حطين.

ولعلك الآن تدرك يا حبيب واجبك تجاه القدس والأقصى وقضية فلسطين، فهي دينك ولحمك ودمك، ولعلك الآن تدرك لِمَ كل هذه التضحيات التي يبذلها إخوانك في سبيل هذه القضية؟، فهي قضية كل مسلم، ولعلك الآن أصبحت غير مندهش من أولئك الذين يبذلون نفوسهم رخيصة في سبيل هذا الواجب، فإنها الشهادة ومن ورائها الجنة، رزقنا الله جميعًا سجدة في رحاب المسجد الأقصى، وشهادة على أعتابه، وبلغنا نصرًا عزيزًا مؤزرًا يشفي صدور قوم مؤمنين!، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين!