الإجراءات التي يقوم بها النظام في مصر أكبر دليل إدانةٍ له وأقوى معول يهدم به دعايته عن إنجازاته الوهمية التي يحاول إقناع المصريين بها، فمن الحديث عن أكبر حقل غاز في العالم، إلى تنفيذ إجراءات متعارضة، من قبيل استدانة المليارات.

يحتار المرء في تصنيف التصريحات التي تصدر عن عبد الفتاح السيسي، وأركان نظامه، وهل هي صادرة فعلا عنهم، أم أنهم تحولوا إلى شخصيات معارضة فجأة؟ أو أنهم تناولوا حبوب الشجاعة والصراحة، مثلما حدث للفنان فؤاد المهندس في فيلم “أرض النفاق” وقرّروا قول الحقيقة كاملة؟
جديد تلك التصريحات ما صدر عن السيسي نفسه الذي توعد المصريين بأنهم سيتعذّبون أكثر في الفترة المقبلة، إذا أرادوا أن تكون بلادهم ذات شأن. كما صارح السيسي المصريين بأن البلاد “خربانة خربانة” في كل الأحوال، سواء تم تطبيق إجراءات الإصلاح الاقتصادي أم لم يتم تطبيقها.
وعلى الرغم من أن السيسي قد طرح نفسه منقذا للبلاد من الفوضى، ومحاربا للإرهاب الذي كان محتملا قبل السيسي فأصبح واقعا بعد مجيئه، فإنه حتى هذا الملف لم يشهد نجاحا للسيسي الذي صارح المصريين الشهر الماضي بأن الإرهاب انتشر في كل محافظات مصر، محذّرا من خسارة سيناء، إذا لم تتخذ إجراءات حاسمة، وكأنه يدين نفسه بنفسه، ويدين نظامه، ويتهمه بالتقاعس والإهمال عن مواجهة الإرهاب طوال الأعوام الماضية.
لا تنفصل هذه الصراحة المفاجئة عما كتبته صفحة السيسي على “فيسبوك” في إبريل/ نيسان 2017، عندما أخبرت المصريين أن الدين العام قفز من 700 مليار جنيه إلى 3.4 تريليونات جنيه في عهده، وهو ما أثار استغراب (ودهشة) المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي الذين اعتقدوا، في البداية، أنها صفحة ساخرة تنتحل اسم عبد الفتاح السيسي، وترغب في تشويه صورته.
أما الوزراء فلم يكن حظهم من الصراحة، وتقمص دور المعارضة، أفضل حالا، فقد كشف وزير المالية، عمرو الجارحي، عن أن الدين العام المصري زاد خمسة أضعاف في آخر خمس سنوات، وأنه بلغ 107% من الناتج المحلي الإجمالي، وأنه سيستمر في الارتفاع، فهذا التصريح ينسف كل الأوهام والتصريحات الوردية التي حاول النظام بيعها للمصريين، خلال الفترة الماضية، عن الانتعاش الاقتصادي المنتظر، وعن أن المرحلة الصعبة قد مرت، وأن جني الثمار قد حان. وهي تصريحاتٌ لا تختلف في أي شيء عما تقوله المعارضة في الداخل والخارج عن تردّي الوضع الاقتصادي بصورة كارثية. والأخطر من ذلك أن الوزير ركّز، في تصريحاته، على أن تلك الزيادة في الديون حدثت خلال آخر خمس سنوات، أي أنه يقصد السنوات التي تلت الانقلاب مباشرة، بما فيها الفترة الرئاسية الأولى للسيسي.
كان للإعلاميين نصيب من تلك الصراحة، فقد اعترف عدد منهم أن وسائل الإعلام يديرها
“صارح السيسي المصريين بأن البلاد “خربانة خربانة” في كل الأحوال”

 النظام، وأنهم ينفذون التعليمات بالحرف الواحد، بل كشف أحدهم (خالد أبو بكر) عن أن شخصا واحدا فقط هو المسؤول عن التحكّم في الإعلام والسيطرة عليه عبر شراء وسائل الإعلام لتصبح مملوكة للدولة بشكل مباشر. وإذا كانت هذه الأمور معروفة للمتابعين من الخارج، إلا أن كشف الإعلاميين أنفسهم عنها يثير الاستغراب، وإن كان بعضهم قد حاول بعد ذلك تجميل الموضوع بادعاء أن هذا الأمر طبيعي، لأن ذلك يعتبر مساندة للدولة والوطن، ولأن الدولة هي التي تنفق على الإعلام، فإن من حقها أن تحدّد ما يقال وما لا يقال. ويصب ذلك كله، في النهاية، في صالح الكشف عن حقيقة الإعلام المصري الذي يدار بـ”الريموت كونترول”.
ولن نذهب بعيدا أكثر من ذلك في مجال التصريحات، فالإجراءات التي يقوم بها النظام نفسه هي أكبر دليل إدانةٍ له وأقوى معول يهدم به دعايته عن إنجازاته الوهمية التي يحاول إقناع المصريين بها، فمن الحديث عن أكبر حقل غاز في العالم، وأكبر مزرعة سمكية في الشرق الأوسط، وقناة السويس الجديدة التي ستمطر ذهبا على المصريين، والاحتياطي النقدي القياسي، إلى تنفيذ إجراءات متعارضة تماما، من قبيل استدانة عشرات المليارات من الدولارات، ورفع أسعار الوقود والكهرباء، وكروت الشحن وتذاكر المترو، والحديث عن الأزمة التي تعاني منها البلاد، وعن مترو الأنفاق الذي يمكن أن يتوقف عن الخدمة إذا لم يتم رفع أسعار التذاكر، وعن “عنق الزجاجة” الذي يجب أن يصبر المصريون، ويتحملوا حتى يتم عبوره، وهو عنقٌ مستمرٌ منذ عشرات السنوات، ولا تبدو له أي نهاية في الأفق.
للأسف، لا تستمر هذه الصراحة طويلا، فسرعان ما يتمالك النظام ورموزه أنفسهم ويستفيقوا من نوبات الصراحة تلك، ويستعيدوا النغمة الأخرى عن الإصلاح والتقدم والرخاء. وأبلغ دليل على ذلك منع مسلسل “أرض النفاق” (بطولة محمد هنيدي) من العرض في شهر رمضان في مصر، إذ يبدو أن النظام يخشى من “حبوب الصراحة” في المسلسل. لذلك بدأ في محاربتها حتى لا تنتشر.