ما يجري في مدينة تعز اليمنية جزء من مخطط الاستهداف للمدينة ولمشروعها من الطرفين، الانقلابي الكهنوتي داخليا وتحالفاته مع أجنحة داخل الأحزاب السياسية المنقسمة والمخترقة من المشروع الإمامي، ومشروع الثورة المضادة الذي يتصدر أجنداته ضرب حواضر مشروع الربيع العربي الديمقراطي.

تتموضع تعز في قلب المشروع الوطني اليمني على مدى عقود من تبلور المشروع الوطني اليمني، كأحد حوامل هذا المشروع بكل روافده الثقافية والسياسية، يسارا ويمينا ووسطا، هذا المشروع الذي تعمد حديثا بالكفاح المسلح والمقاوم في وجه الانقلاب الطائفي الذي حاول استعادة المشروع الإمامي من خلال بوابة ضرب تعز، والإجهاز عليها، باعتبارها عقبة أمام هذا المشروع الطائفي الكهنوتي، ففشل هذا المشروع فشلا ذريعا أمام صمود هذه المدينة وإصرارها، وتكتلها في سبيل مشروعها الوطني الكبير.
ما يجري في تعز اليوم جزء من مخطط الاستهداف للمدينة ولمشروعها من الطرفين، الانقلابي الكهنوتي داخليا وتحالفاته مع أجنحة داخل الأحزاب السياسية اليمنية المنقسمة والمخترقة من المشروع الإمامي، ومشروع الثورة المضادة الذي يتصدر أجنداته ضرب كل حواضر مشروع الربيع العربي الديمقراطي وحوامله.
كان واضحا، منذ البداية، أن التيار الإصلاحي هو الأكبر حجما والأكثر تنظيما، بحكم وجوده وتجذره في قلب المشهد السياسي اليمني عقودا، وأنه من تصدر مشروع الكفاح المسلح حاليا ضد الانقلاب، مع بعض المجاميع الوطنية من الأحزاب الأخرى، وهي مجاميع صغيرة، بالنظر إلى الانشقاقات والأجندات التي تعانيها أحزابها المخترقة من اللوبي الإمامي الهاشمي، وغيره في هذه الأحزاب، فضلا عن رواسب الصراعات القديمة الفكرية والثقافية السابقة مع التيار الإصلاحي الذي دفع بعضهم إلى التموضوع مع المشروع المليشياوي نكاية بالإصلاح.
ولعل الأهم في الأمر أن تعز مثلت محضنا وطنيا لكل الأفكار والتيارات السياسية والثقافية في المشهد اليمني عقودا طويلة، وظلت منبعا لكل القيادات الحزبية التي تصدّر بعضها المشهد السياسي الوطني، منذ ما قبل ثورة 26 سبتمبر 1962، بما تتمتع به هذه المدينة من ذوبان للعصبيات القبلية والمناطقية والطائفية وطغيان السياق السياسي المدني الوطني والحزبي في أوساط نخبها ومثقفيها.
ومن هنا، أهمية تعز في السياق السياسي اليمني، منبعا ومحرّكا للسياسة في اليمن وصانعة لها، ومنها انطلقت كل الحركات الثورية في الشمال والجنوب فكانت الانطلاقة الثورية ضد حكم 
“لا خطر يهدّد تعز مثل نخبتها السياسية والحزبية التي تتماهى مع المشروع الاستئصالي”

الإمامة، مبتدؤها في تعز كما كانت محضنا للحركة الوطنية القومية النضالية ضد الاستعمار البريطاني في جنوب اليمن أيضاً.
وهكذا ظلت تعز شوكة الميزان في كل المراحل السياسية الوطنية قبل وبعد ثورتي سبتمبر وأكتوبر، لكنها شهدت تراجعا كبيرا وأقصيت من المشهد السياسي، بكل نخبها، لكنها لم تتراجع في معارضتها السياسية كل التشوهات التي اعترت المشهد السياسي اليمني على مدى حكم نظام علي عبدالله صالح، وانفراده بالحكم عقب حرب صيف 1994.
فجرت تعز، على هامش المشهد الثوري العربي الديمقراطي الهادر من تونس، مرورا بليبيا فمصر فسورية، فجرت تعز كبني غازي الليبية وسيدي بوزيد التونسية ودرعا السورية شرارة الثورة الربيعية، وأسقطت مشروع التوريث الجمهوري، ومضت نحو استعادة اليمنيين جمهوريتهم المختطفة، لكنها للأسف، ما لبث عراب الخراب العربي الكبير وممولو الثورات المضادة أن وجدوا من يقف في وجه مشروع اليمنيين حينها، فاستأجروا المليشيات الطائفية في اليمن لأداء هذا الدور، وتوافقت مع هذا العراب نخب سياسية وحزبية عديدة كنا نعتقد أنها تجاوزت مرحلة المراهقة السياسية، وأن الربيع العربي أحيا فيها قيم النضال الوطني، وأنقذها من أزمة فشلها الذاتي الذي تحول إلى مرض قاتل، جمد هذه النخب، وحوّلها إلى بيادق في يده لضرب كل مشروع وطني ديمقراطي وشيطنته.
تعز اليوم في قلب كل هذا المشهد وتعقيداته الداخلية والإقليمية، لكن لا خطر يهدّد تعز مثل نخبتها السياسية والحزبية التي تتماهى مع المشروع الاستئصالي لتعز ومشروعها الوطني، تحت لافتة ضرب التيار الإصلاحي، وتكرار سيناريو سقوط صنعاء، فاليمن كلها في 21 سبتمبر/ أيلول 2014، وتماهي تلك النخب مع المشروع المليشياوي حينها، وحتى هذه اللحظة للأسف، لضرب شركائهم الإصلاحيين الذي بضربهم تم القضاء على المشروع الوطني كله، دولة ونظاما وسلطة وجيشا ومجتمعا.
تكرار هذا السيناريو في تعز اليوم أكثر وضوحا وانكشافا، لكن مرارته أنه لا يزال مشهد سقوط صنعاء مهيمنا على المشهد السياسي اليمني كله، ذلك المشهد الطافح بالحرب والخراب والدمار والضياع لليمنيين، وتشرذمهم ومهانتهم على القريب والبعيد ثلاث سنوات من الحرب، بلا أفق وفشل كبير من كل هذه النخب على كل المستويات.
وأمام كل هذا الفشل، استطاعت تعز أن تصمد وتقاوم بأقل الإمكانات الذاتية، وصمد فيها شبابها الذين انخرطوا، منذ اللحظات الأولى في الدفاع عنها، وشكلوا خلايا مقاومة استطاعت تحرير أجزاء واسعة من المدينة، بقيادة الشيخ حمود المخلافي بداية، ووقف الجميع في داخل المدينة في وجه المليشيات الانقلابية. وظلت المدينة تنتظر المدد من الحكومة الشرعية، ومن التحالف العربي، لكنه للأسف لم يأت، وما وصل من ذلك الدعم كان من نصيب ما تسمى الكتائب السلفية التابعة لأبي العباس الذي انضم إليه بعضٌ ممن كانوا ضمن كتائب الموت الحوثية الذين انهزموا في مقرّهم الرئيسي في الجحملية، وخلعوا شعارات جماعة الحوثي، وتحولوا مقاتلين ضمن كتاب أبي العباس، لأداء مهمة واضحة، متمثلة بالسيطرة على المدينة والتحكم بها ونشر الفوضى داخلها، مستغلين انشغال المقاتلين في جبهات خارج المدينة وعلى مشارفها.
خطورة ما يجري اليوم أن ثمة توجها يتم الاشتغال عليه، من خلال تضخيم مليشيات أبو العباس على حساب دور الجيش الوطني، وتحت مظلة الجيش الوطني وشعاره، ومحاولة ضرب ألوية الجيش الوطني بهذه المليشيات التي تم وضع قائدها ضمن قوائم الإرهاب الأميركية، لتسنى بعد ذلك إن مكّنت هذه المليشيات بفعل الدعم الكبير الذي لا تزال تتلقاه من التحالف العربي، والإمارات تحديدا، من ضرب الجيش الوطني وألويته واستنزافهما، ومن ثم سيطرتها على المدينة التي يتم تهيئتها بعد ذلك لمصيرٍ أقرب إلى مصير الموصل وحلب، بحجة وجود الإرهابيين فيها.
مثل هذه السيناريو هو ما يتم العمل عليه حاليا، وكل مؤشراته حاضرة بقوة، وخصوصا بعدما شوهد من خذلان للجيش الوطني في مواجهة هذه المليشيات الخارجة على القانون، ومنحها

“لا يزال مشهد سقوط صنعاء مهيمنا على المشهد السياسي اليمني كله”

 شرعية الوجود، باعتبارها كتائب ضمن الجيش الوطني التي لا تنتمي له سوى في كشوفات الراتب فقط بحسب حوار سابق لقائد اللواء 35 مدرع العميد الحمادي، ولكن لا يمتلك عليها أي سلطة أو صلاحية.
ولذا، أمل الكثيرون خيرا بقدوم المحافظ الجديد، أمين محمود، وتحرّكاته بدايةً فيما يتعلق بضرب هذه الجماعات الخارجة عن القانون ومواجهتها، وهي التي تتخذ من جماعة أبو العباس غطاء لها، والأخيرة تتخذ من كونها ضمن كتائب اللواء 35 مدرع غطاء لها، فيما الحقيقة أن كثيرين ممن يقودون هذه المجاميع كانوا مخبرين وقيادات سابقة في أجهزة أمن نظام صالح، ونقلوا ولاءهم تاليا لجماعة الحوثي، وبقوا في المدينة بعد هزيمة جماعة الحوثي وصالح، معلنين أنضمامهم للمقاومة تحت إمرة كتائب أبو العباس.
لم تعد هذه مجرد معلوماتٍ مخفيةٍ عن كثيرين من مراقبي الوضع في تعز، فقد غدت واقعا بفعل تحرّك هذه المجاميع في عمليات الاغتيالات التي تطاول أفراد الجيش الوطني، والذين يزداد تساقطهم، وصولا إلى أكثر من 230 فردا خلال فترة قصيرة، والكارثة أن السلطات المحلية وأجهزتها الأمنية تعلم أن هذه المجاميع هي من تقف خلف هذه الاغتيالات والفوضى في المدينة، لكنها متردّدة بطريقة مريبة عن عدم مواجهة هذه المجاميع الضرب بيد من حديد عليها.
استمرار هذا المخطط لاستنزاف الجيش الوطني، واغتيال قادته وأفراده، والأخطر تواطؤ القوى الحزبية اليسارية مع هذه المليشيات الإرهابية، ومنحها غطاءً سياسيا، مكرّرين تواطؤهم مع مليشيات الحوثي قبيل سقوط صنعاء، سيمثل كارثة كبيرة، ليس فقط على مدينة تعز، وإنما على المشروع الوطني كله، مشروع إسقاط الانقلاب، والحفاظ على يمن جمهوري اتحادي مرهون بقاؤه بانتصار الشرعية في معركة تعز، بوابتها للحفاظ على المشروع الوطني اليمني كله.