أظهر إعلان الفراخ، وتلاه إعلان عن نوع من العطور السعودية، مقدار ما يتمتع به عمرو خالد وأمثاله من أساليب مهمة للنصب وكسب الثروة، حيث يعتبر أغنى داعية إسلامي في العالم، وصنف في أوائل الألفية الثالثة واحدا من أغنياء العرب.

كان يمكن لإعلان “فراخ الوطنية” الذي قدمة الداعية المصري المعروف، عمرو خالد، أن يمر كما تمر باقي الإعلانات الكثيفة في شهر رمضان، حتى ليخيل إلي أحيانا أن رمضان ليس شهر الصوم، بقدر ما هو شهر الإنتاج الدرامي والإعلانات المرافقة، غير أن “فراخ الوطنية” التي تُدخل آكلها الجنة، حسب عمرو خالد، لم تستطع التخفّي وسط الكثافة الإعلانية، فعدا عن استخدام الدين والجنة لمنتج إعلاني، وهو ما يفترض أنه يسيء إلى الدين، وإلى الذات الإلهية، إذ علينا أن نتخيل أن الله، سبحانه وتعالى، سوف يعاقب الذين لا يأكلون “فراخ الوطنية” بالتعذيب بجهنم. أو ربما سيتسع ميزان حسنات الآكل من هذه الفراخ، بحيث تتيح له دخول الجنة مع الأبرار والمؤمنين.. هل من تعدٍّ على الذات الإلهية، وإساءةٍ لمقدرة الله تعالى، أكثر من هذا؟ وعدا عن أنه لم تحتجّ أية مؤسسة دينية عربية أو تعترض على هذا الإسفاف، واستخدام الدين في غير مكانه، بينما كانت لتقوم قيامة هذه المؤسسات على صفحة في كتابٍ فيها بعض التجديف، ولربما تقدّم أحدهم ببلاغٍ ضد شاعرٍ يذكر اسم الله تعالى في قصيدة غزلٍ بحبيبته، وسيحاكم الشاعر حتما بتهمة المسّ بالذات الإلهية. عدا عن كل ما سبق، كشفت “فراخ الوطنية” حقيقة عمرو خالد، لمن ظلوا مخدوعين، فترات طويلة، به وبأمثاله من دعاةٍ أفرزهم الإعلام العربي منذ أوائل التسعينيات التي سميت أيام الصحوة الإسلامية، وكان لهم دور كبير في تغيير نظام حياة الطبقة الوسطى العربية التي كانت، حتى ذلك الوقت، الرافع الحقيقي والرئيس لأي تغيير اجتماعي أو سياسي أو فكري.
أظهر إعلان الفراخ، وتلاه إعلان عن نوع من العطور السعودية، مقدار ما يتمتع به عمرو خالد وأمثاله من أساليب مهمة للنصب وكسب الثروة، حيث يعتبر أغنى داعية إسلامي في العالم، وصنف في أوائل الألفية الثالثة واحدا من أغنياء العرب، غير تصنيفه أحد عشرين شخصية مؤثرة في العالم. واللطيف أن صنّاع الإعلان عادة ما يركّزون في إعلاناتهم على النساء الجميلات، أو الممثلين والممثلات المشهورات، أو الرياضيين المعروفين في العالم أجمع، ما يجعل استخدام داعية إسلامي لترويج منتج إعلاني سابقةً تكشف أولا: ما يحظى به عمرو خالد من شهرة واسعة، وتأثير حقيقي على الناس، فصناعة الإعلان تهتم بدراسة نفسية متلقي المنتج وكيف يمكن إقناعه بالمنتج المطروح، ومن هي الشخصية القادرة على التأثير الإعلاني لدى العامة. وتكشف ثانيا: البراغماتية في التعامل مع الدين والجنة والنار، إذ يمكن استخدام الدين تجاريا، وبشكل مفضوح على هذه الشاكلة، بحيث تنتقل العلاقة الروحية بين الخالق والمخلوق إلى علاقة استهلاكية تجارية ربحية. وتكشف ثالثا: حجم الخراب والتغييب الذي يزداد يوما بعد يوم لدى عموم الشعوب العربية، حيث المفروض أن ظاهرةً، مثل ظاهرة عمرو خالد، أن تكون قد بدأت بالانحسار، بعد تأدية الدور المطلوب منها، والقضاء على الطبقة الوسطى، بالتزامن مع خطواتٍ قامت بها الأنظمة العربية لذلك. وأيضا ما كشفته الثورات العربية من انتهازية الإسلام السياسي، وممثليه من الإسلام الاجتماعي، وإطلاقهم الثورات المضادة التي قضت على كل أملٍ أو حلم بالتغيير، كان يفترض بهذا الكشف أن يعيد الوعي الجمعي العربي، ولو قليلا، إلى سياقه الواقعي، بعيدا عن الغيبيات والتمسّك بها، إذ حتى الاستناد إلى فكرة “ما لنا غيرك يا الله” لم تعد تعني شيئا، فالشعوب المقهورة التي تتعرّض للموت والجوع والتشرد والقهر والذبح والحرق والغرق لا يقف معها أحد، حتى السماء، بينما يتكاتف الكون كله لدعم المجرمين وقادة العالم ومرتزقتهم.
ومع ذلك، لم تنطل لعبة عمرو خالد وصناع الإعلان/ تجار الدين على عربٍ كثيرين متابعين، إذ امتلأت صفحات التواصل الإجتماعي بالسخرية والاستهزاء من الفرخة الوطنية التي تحمل مفتاح الجنة، وحصلت المعارك المتوقعة بين النادمين على استماعهم ذات يوم إلى تعاليم الداعية المصري المشهور، والذي ظهر على حقيقته أخيرا، والمدافعين الكثيرين جدا عنه، ورأوا أن الإعلان مجرد خطأ لا يسيء لتاريخ الرجل الذي اعتذر لاحقا عن تقديمه الإعلان، وقدّم تبريرا لا يقل رداءةً وبراغماتية عن الإعلان نفسه.
يبقى أن الإعلان وضع ظاهرة عمرو خالد، ومن مثله، بكل الخراب الذي ألحقته بالجموع العربية تحت اسم الإسلام، تحت مجهر الفضح والكشف، بعيدا عن الهالة التقديسية التي وضعت حوله يوما، وهددت أي منتقدٍ له بالموت وبعذاب الآخرة.