إنجاز المشروع الوطني الفلسطيني بتحرير فلسطين يحتاج إلى أكثر من تاريخ ناصع وأفكار الزمن الثوري الجميل، فالثورة ليست فكرةً فحسب، بل تطبيق لها على واقع معاش من أجل تغييره نحو الأفضل.

ثمّة ما يشبه الإجماع الفلسطيني على أنّ مرحلةً مهمةً من مراحل النضال الوطني قد انتهت، وبات البقاء في دائرتها مضيعةً للوقت، واستنزافًا للجهد، وتعلّقًا بسرابٍ منعدم الجدوى، دائرة تقوّي العدو وتضعفنا، وتقف حائلًا أمام آمالنا بدحر الاحتلال وتحرير فلسطين.
المرحلة التي تُلملم ذيولها، وتمضي غير مأسوف عليها، هي مرحلة السعي نحو حلّ الدولتين. وللإنصاف، فإنّ خيوطها الأولى قد نُسجت في برنامج النقاط العشر عام 1974، حين أوهم الرئيس المصري، أنور السادات، قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية أنّ لها مقعدًا في مؤتمر جنيف للسلام الذي كان وزير الخارجية الأميركي، هنري كيسنجر، يعمل على إطلاقه بعد حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973. يومها كان الرئيس السادات يبحث عن غطاءٍ له في عملية التسوية التي اعتزم القيام بها، فوضع قيادة المنظمة بين خيار أن تنخرط هي في عملية السلام المتخيّل، فتحوز على الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، وإن لم تقبل فثمّة بديلٌ يلجأ إليه، وهو عودتها إلى ملك الأردن حسين.
لم يكن ذلك أكثر من جزرة مربوطة بعصا غليظة؛ تعاقبت التنازلات التدريجية التي حدثت عبر مسيرة طويلة تُوّجت باتفاق أوسلو، ومرّت بالحديث عن سلطةٍ وطنيةٍ مقاتلةٍ على أي شبر يتحرّر من أرض فلسطين، لتكون قاعدة ارتكاز للتحرير، وصولا إلى الاعتراف بقرار مجلس الأمن 242، انتهاءً باتفاق أوسلو للحكم الذاتي الانتقالي الذي اعترفت فيه منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل في مقابل اعتراف إسرائيل بالمنظمة ممثلا للفلسطينيين في المفاوضات اللاحقة، بهدف الوصول إلى دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، بدلا من التمسّك بتحرير فلسطين وإقامة الدولة الديمقراطية عليها.
وفي خط موازٍ لهذه التنازلات، وفي الفترة نفسها، خاضت الثورة الفلسطينية أكبر معاركها التي تُوّجت باجتياح لبنان عام 1982، وقاومت محاولات التصفية والاحتواء. كما قام الشعب 
“تعمّق الاستيطان إلى أن ابتلع أي إمكانٍ لقيام حكم ذاتيٍّ متصل الأطراف”

الفلسطيني بانتفاضته الأولى التي وفّرت رافعة سياسية كبيرة لقيادة منظمة التحرير، أجهضت جزءًا من قوتها حرب الخليج الأولى، وانتهت بمفاوضات مدريد واتفاق أوسلو.
مرّ ربع قرن على اتفاق أوسلو الذي أُعيد إنتاجه في عهد الرئيس محمود عباس، لم تتمكّن فيه السلطة الفلسطينية من تحقيق حلّ الدولتين، أو حتى من الاقتراب منه. ولم يشفع لها ذهابها إلى أقصى مدى في التنسيق الأمني مع العدو، لجعل مطالبها بدولةٍ على جزءٍ محدودٍ من فلسطين مقبولة للعدو. على العكس، تعمّق الاستيطان إلى أن ابتلع أي إمكانٍ لقيام حكم ذاتيٍّ متصل الأطراف، وأضحت السلطة بلا سلطةٍ، بحسب تصريحات قيادتها، وتبخّر حلم حلّ الدولتين الذي لم يبقَ منه سوى تنسيق أمني مشبوه ومدان، وربط لجميع مقدّرات السلطة الفلسطينية بيد العدو الذي ينعم باحتلالٍ غير مدفوع الثمن.
نمّ ذلك عن جهلٍ كبير بحقيقة المشروع الصهيوني في فلسطين، على الرغم من دروس التاريخ التي تُلقى علينا في المناسبات الرسمية، وعن عدم إدراكٍ للمتغيّرات التي طرأت على الاتجاهات السياسية لدى العدو، وجنوح المجتمع الصهيوني نحو اليمين الصهيوني المتمسّك بروايته التاريخية، وإقامة دولة قومية يهودية نقية من الأغيار الذين سيكونون مقيمين في الدولة اليهودية وليسوا مواطنين فيها. بدا واضحًا أنّ العدو لن يقدّم أي تنازل، وأنّ حل الدولتين قد دُفن في مقبرة الرواية الصهيونية، وتغوّل الاستيطان، والتوجه نحو نظام فصل وتمييز عنصري كامل.
في علوم السياسة والتاريخ ثمّة مناطق رمادية ما بين مرحلة وأخرى، تتفاعل فيها إرهاصات مختلفة، تطول أو تقصر، لكنّها تعلن أنّ حقبة قد انتهت، وأنّ حقبة أخرى على وشك أن تبدأ. لكن، ما الذي يمنع من بداية مرحلة جديدة، على الرغم من الظواهر العديدة التي تملأ سماء الأرض الفلسطينية، من هبّة السكاكين والذئاب المنفردة وانتفاضة القدس المستمرة إلى مسيرة العودة الكبرى؟
في السابق، أشعل حادث دهس عمال فلسطينيين في غزة شرارة الانتفاضة الأولى، فيما أشعلت زيارة شارون للمسجد الأقصى شرارة الانتفاضة الثانية، فما لنا والحرائق تندلع فوق الأرض الفلسطينية من كل حدب وصوب، لا نشهد ترسخًا لمرحلة جديدة، بعدما أفل تمامًا نجم المرحلة السابقة؟
كانت تلك الشرارات مجرد صاعق أشعل فتيل انفجار كبير، حتّمته ظروف موضوعية، ففي الانتفاضة الأولى، هبّ الشعب الفلسطيني لحماية منجزاته الوطنية، بعد الخروج من بيروت وحرب المخيمات، إذ وجد ظهره للحائط، فكان لا بد له من أن يتحرّك، وهو ما حدث في انتفاضة الأقصى التي جاءت بعد انهيار مفاوضات كامب ديفيد، وانكشاف ثغرات اتفاق أوسلو وعيوبه.
وإذ يثور هنا سؤالٌ كبير عما إذا كان جميع ما حدث في فترة الرهان الطويلة على حلّ الدولتين ليس كافيًا، وبعد أن استنزف هذا المشروع مدىً زمنيا استغرق ربع قرن منذ اتفاق أوسلو، وقرابة نصفه من بدايات الانجرار نحو وهم التسوية، وبعد أن اصطدم تمامًا بالحقيقة العارية للرواية الصهيونية التاريخية التي لا يمكننا مواجهتها بنصف أو ربع رواية، فلنا روايتنا التي إن تنازلنا عن جزءٍ منها سنستمر بالانحدار حدّ القبول برواية الخصم.
الانقسام والوضع العربي والسلطة الفلسطينية، والوعود الكاذبة للمجتمع الدولي، وسياسات التسويف والمماطلة، وعجز القيادات الفلسطينية الراهنة وتردّدها وخوفها، وترهّل الفصائل واندثار بعضها، ذلك كله وغيره يعيق انطلاق مرحلة جديدة من النضال الفلسطيني بزخم وفاعلية. لكن ثمّة عاملًا آخر لا يقل أهمية، وهو ما أدعوه السلفية السياسية أو السلفية الثورية. إذ ما زالت معظم الفصائل الفلسطينية تعيش على الماضي المجيد لروّادها الأوائل، وشهدائها العظام، فهم وحدهم وسيلتها لتعبئة جمهورها في مواجهة خصومها، وهم من كان لهم فضل السبق وأول الرصاص وأول الحجارة، ومن خاض غمار جميع معارك الثورة في زمنها الجميل، وقدّم فيها آلاف الشهداء.
إنّ نظرة سطحية على ما يجري في انتخابات الجامعات والمعاهد الفلسطينية توضح تمامًا هذا المثال، إذ إنّ الدعاية والصراع والتعبئة تدور كلها حول التاريخ، فنحن نعيش اليوم تاريخًا 

“ما زالت معظم الفصائل الفلسطينية تعيش على الماضي المجيد لروّادها الأوائل”

مضى لا واقعًا معاشا، “فتح” هي كما انطلقت عام 1965، ببطولاتها وأمجادها، ورموزها الانتخابية هم من الشهداء والأسرى، وحركة حماس تتجلى في عملياتها الاستشهادية، وتصدّيها للاجتياحات الصهيونية على قطاع غزة، إنّه التاريخ المجيد، والتاريخ عبر قطيعة كاملة مع الواقع فحسب.
هو هروب من واقع التنسيق الأمني مع العدو، وحقيقة انهيار حلّ الدولتين، وتراجع المشروع الوطني الفلسطيني، وتغوّل الاستيطان وابتلاع الأرض، وإهمال الشتات، والانقسام والعقوبات على غزة.
ما نحتاجه هو الاعتزاز بتاريخنا. ولكن ليس اجتراره إلى حدّ العيش في شرنقته، وتقييم واقعنا ورؤيته كما هو، بعيدًا عن الانحياز الفصائلي، لنتمكّن من الولوج إلى مرحلةٍ جديدةٍ في نضالنا الوطني. فإنجاز المشروع الوطني الفلسطيني بتحرير فلسطين يحتاج إلى أكثر من تاريخ ناصع وأفكار الزمن الثوري الجميل، فالثورة ليست فكرةً فحسب، بل تطبيق لها على واقع معاش من أجل تغييره نحو الأفضل.