سيطرت النزعة العقلانية على الفلسفة الأوروبية، تلك النزعة التي تعد إطارًا مرجعيًّا حكم مخرجات مرحلة ما بعد عصر الأنوار -تحديدًا في القرنين التاسع عشر والعشرين ميلاديًّا– إذ أثمرت تلك النزعة نظريات علمانية مختلفة «شيوعية عالمية، اشتراكية قومية، رأس مالية ليبيرالية، براجماتية نفعية… إلخ»، دفعت المشهد الأوروبي إلى رسم خريطة سياسية جديدة للعالم بحربين عالميتين، وحرب باردة، وهيمنة أحادية قطبية طبعت بطابع الحداثة، ثم مرحلة من النسبية في المعنى تعرف في الفضاء الثقافي والإعلامي بمرحلة ما بعد الحداثة، ما تزال تساهم في رسم الأحداث الدولية والإقليمية والمحلية في العالم.

وكما قررنا في مقالات سابقة، أن الحداثة وضع فكري أنتجته العقلانية الأوروبية في عصر الأنوار، وإن كان غالب فلاسفة عصر الأنوار ومن بعدهم لم يتفقوا على تجريد ماهوي للعقل، فمنهم من عده جوهرًا ناطقًا، له صفة التعالي والمفارقة عن أي تجسد مادي، مثل رينيه ديكارت، وتوماس هوبز، وجون لوك، إلا أن بعضهم لم يجعله إلا وضعًا ماديًّا بحتًا متجسدًا في عضو الدماغ البشري، من أمثال كارل ماركس وصديقه فريديرك أنجلز، إلا أن الذي يعنينا في هذه المقالة بحول الله معالجة –تجريدية العقل– كفكرة أسست لنزعة حداثية ما تزال تشكل وعي الحضارة الإنسانية اليوم.

يقول إيمانويل كانت في كتابه نقد العقل الخالص: «الانتقاد لأسس وحدود المعرفة البشرية، وهو امتداد لمعقولية التعامل الإنساني مع الميتافيزيقا»، ويقول أيضا «المعرفة لا تكون نتاج مثاليات العقل الضرورية فقط؛ بل لا بد من التجربة في تحديد ماهية الموجودات وما يمكننا أن نطلق عليه معرفة ضرورية عقلية هي معرفة قبلية».

يعد إيمانويل كانت من أواخر الفلاسفة العقلانيين، وكان من المفترض أن ينتمي إلى تلك المدرسة التي تقارب العقل جوهرًا ناطقًا، مفكرًا، مستقلًا، متعاليًا في تحديد المعرفة، إلا أن كانت جعل الواقع محددًا معرفيًّا مستقلًا عن تجريدية العقل وتعاليه، في محاولة لإيجاد بعد فلسفي غير محكوم بتلك النزعة العقلانية المثالية؛ بل خاضعة للواقع في تمثلاته الوجودية.

أما في سياق الحضارة الإسلامية، فإننا نجد رجال المعرفة الكلامية في السياق السني، على رأسهم الإمام النظارة أبو حامد الغزالي – رضي الله عنه- يتحدث عن العقل جوهرًا ناطقًا، فيقول -رضي الله عنه-: «يدرك العقل الضروريات، ويرسم في النفس صور الموجودات عن طريق الحس، ثم هو يتعقل معاني الغيب، لكنه لا يعقلها»، هذا الكلام من الإمام أبي حامد -رضي الله عنه- يسوقنا للتساؤل حول حدود العقل في إدراك الوجود بأطواره المختلفة المحسوس منها والمتعقل.

فهل العقل –بوصفه قوة ناطقة– في الإنسان له إطلاقية تصور الوجود على ما هو عليه، وإدراك حقائق الأشياء؟ أم أن العقل التجريدي الذي طرحه فلاسفة عصر الأنوار محدود بإطار مرجعي زماني ومكاني عنوانه النسبية في التصور؟

1- العقل في الفلسفة اليونانية: الفلسفة اليونانية فيما يتعلق بالعقل تتجاذبها عدة نزعات، أما النزعة الأولى فتنسب إلى سقراط، وغالب فلسفته لم تنقل إلينا بما يفيد تشكيل تصور كامل عنها، فضلًا عن مقاربته للعقل الإنساني، إلا أن نصوصًا منقولة عن ابن رشد تفيد أن سقراط كان يقارب العقل الإنساني كتجلٍ للخالق الأعظم، ويقول ابن رشد إن سقراط كان يؤمن بوجود إله واحد خالق للكون عن طريق الأحداث، إلا أننا لا يمكننا الحكم على فلسفة سقراط؛ كون المراجع التي تحاكي فلسفته مندثرة.

أما عن النزعة الثانية، فهي النزعة الأفلاطونية التي تعد نتاج فلسفة عالم المثل الذي تصوره أفلاطون ونظر إليه في كتبه وحاك الأساطير من أجله، وقد قارب أفلاطون العقل كجوهر أنتجه عالم المثل، مهمته الأساسية الاستغراق في التأمل الذاتي، والوصول إلى الحقيقة المطلقة.

أما النزعة الثالثة، وهي النزعة الأرسطية، والتي تعد الإطار المرجعي المحرك للفكر الأوروبي زمن عصر الأنوار، إذ يقارب أرسطو العقل كجوهر مفارق متعالٍ -وفي هذا نوع استمداد من الفلسفة الأفلاطونية– إلا أن مهمته الأساسية ليست الاستغراق في عالم المثل، بل الصراع مع الواقع المحسوس لإنتاج المعرفة والأخلاق والنظم التي تسير الشأن العام، من خلال هذا التقديم البسيط لمقاربة أرسطو للعقل، نجد أن أرسطو استطاع بنجاح نقل الفلسفة اليونانية من الاستغراق في النظريات التجريدية إلى معالجة الوجود، ومنه انتقال العقل الإنساني بأثر رجعي من مرحلة المثل إلى مرحلة الواقع، من مرحلة التأمل إلى مرحلة الصراع، إلا أن ما يميز الفلسفة الأرسطية هي – كما قررنا سابقًا– الفكرة الربوبية، أو المحرك الذي لا يتحرك؛ أي الإله الذي خلق هذا الوجود عن طريق الأحداث من العدم ثم ترك الإنسان ليواجه مصيره عن طريق استغراقه في تأمل ذاته العلية –تنزه المولى سبحانه وتقدس عن العبث– وعليه فيجب أن يحل العقل المجرد محل الدين أو الإبستيمولوجيا الماورائية –الوحي والنبوة– في استحداث ما يصلح شأن الإنسان.

لقد أصاب النزعة الأرسطية في الفضاء الغربي نوع من الركود بسبب علم اللاهوت المسيحي، الذي سيطر على العقل الغربي في العصر الوسيط، بينما انتقلت إلى الفضاء الإسلامي وقد حازت عليها المكتبة الإسلامية عن طريق حركة النقل والترجمة التي مرت بمراحل، أما في الفضاء الإسلامي فإن تلك الفلسفة التي ضخمت العقل وأعطته صلاحيات التشريع، وبناء المعارف، وإهدار قيمة المعاني الغيبية – الماورائية– لم تكن محل رضا عند السادة المتكلمين –من أهل السنة على وجه الخصوص– كونها تهدر معاني لا يقوم الإسلام دينًا إلا بها، منها الوحي والذي فرعه التكليف بالشريعة مع ما يصاحبها من التعبد المحض لله تعالى، قال تعالى: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ(57)»، وقال تعالى: «أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(54)»، وقال تعالى: «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا(36)» فما حدود العقل الإنساني فيما يتعلق بمسائل أصول الإيمان الستة ومعظمها ماورائيات؟ وما موقف العقل من مسائل التكاليف الشرعية، سواء في جانب العبادات التي يؤديها الفرد مع ربه، أم المعاملاتية التي تكون بينه وبين غيره، هذا على زمن الإمام الغزالي -رضي الله عنه- ويمكن إضافة معطى التشريع في قضايا الجرائم والجنايات في الواقع المعاصر -السجال حول أحكام الحدود والقصاص في الشريعة الإسلامية-.

2- نقد العقل المجرد وتفكيكه عند الإمام الغزالي -رضي الله عنه–: عاش الإمام الغزالي حياته نظارة في الفقه والأصول والكلام، إلا أن فكرة العقل المجرد المتعالي، الذي له قوة استحداث رسوم وتكاليف غير تلك التي قررتها الشريعة الإسلامية فتحت الباب على مصراعيه زمن الإمام للبابكية، والخرمية، وطوائف الباطنية والاسماعيلية لإهدار معاني الشريعة -فتحت حجة العقل ضاع معنى الشرع- ولهذا قام الإمام الغزالي -رضي الله عنه- بتفكيك العقل المجرد.

التمييز بين مفهومي العقل والتعقل: العقل هو القوة الناطقة في الإنسان وهي تركب في المصورة صور الأشياء، وتطبعها في النفس لتدرك بعدها ماهيتها، انطباع صور الأشياء في النفس إنما هو نتاج الطور المحسوس من الوجود، هذا الطور الذي حصر فيه أرسطو مفهوم الواقع، بينما يبقى في العقل قوة يستطيع بها إدراك المعاني الكلية والمفاهيم الوجودية الممكنة -لم يترجح أحد طرفي الوجوب والاستحالة فيها– والتي لا تجسد لها في الواقع المحسوس، وهذا النوع من القوة الناطقة يدعى عند المتكلمين التعقل، والتعقل محدود بالكليات التجريدية فقط، فلا يستطيع العقل إدراك أنواع الموجودات وتفاصيلها كون تلك الأشياء لم تنطبع في مصورته، ولم يتخيلها ولم يتوهمها من قبل، فتبقى متعقلة تجريدية بسبب غياب مدركها الحسي، يقول الإمام أبو حامد -رضي الله عنه- «الأعمى لا يتعقل من الإصفرار إلا اسمه، ومن الضوء إلا رسمه، فلا تنطبع في نفسه صور تلك المعاني»، إذا كان العقل لا يستطيع إدراك تفاصيل الموجودات خارج طور المحسوس -مع قدرته على تصور معانيها الكلية عبر عملية التعقل– فهذا يؤدي بنا إلى إثبات محدودية العقل في التصور -جوهرًا ناطقًا- كما يؤدي بنا إلى جعل الوجود شاملًا طوري الوجود -الحسي- والوجود الماورائي -الغيبي- فالأول معقول والثاني متعقل، ودعوى أرسطو التي حصر بها الوجود في الواقع، والواقع هو الداخل ضمن إطار المدرك المحسوس دعوى خاطئة.

حيادية العقل في قضية الشرع: الفلسفة الدينية التي بنى عليها الإمام الغزالي -رضي الله عنه- صحة الوحي، ومن ثم صحة التكليف بالشرعة الربانية مع ما يتضمنها من تسليم وعبودية محضة في تفاصيل تلك الشرعة، مبناه قضايا متعقلة تتوالى صحة بعضها على بعض، فأول تلك القضايا وجود الله وصحتها في التصور، ثم قضية النبوة والوحي –عولجت في مقال سابق– ثم القضية الثالثة صحة التكليف بالشرعة الربانية، وهنا يصل العقل إلى أن وجود إله قادر متصف بصفات الكمال، والتي من ضمنها التلطف على البشر هو إرسال بشر يبلغونهم الأوامر الإلهية، التي كلفهم بها لنيل السعادة الدنيوية والأخروية، فهنا يتحيد العقل بعد إدراكه صحة تلك المقدمات ليفسح المجال للشرع لرسم خطة الوجود الإنساني، فاعتزال العقل أمام قضية الشرع الرباني –عقيدة وتشريعًا وأخلاقًا– وهذه الحيادية حكم عقلي ترتب على صحة تلك المقدمات، وإنما يضيق بعدها دور العقل في دائرة النقل في عمليتي الفهم والاستنباط، بينما يتوجه للعمل ودراسة الأسباب الدنيوية التي يستصلح بها حاله.

يقول الإمام أبو حامد – رضي الله عنه-: «تلك التكاليف الربانية حقيقة عقلية ترتبت صحتها على مقدمات أول درسناها في أصول الديانات، فلا يجوز لمعترض الاعتراض بأن الشرعة الفلانية أفضل من شرعة الإسلام، أو أن الحكم الفلاني انجلى زمنه، أو أنا نتلقى من أئمتنا المعصومين لأننا نقول مقامك مقام الحديث في صحة وجود الله، واللطف بالنبوة، لا في صحة التكاليف؛ لأن صحتها مبنية على تلك المقدمات، فالزم حدود الشرع ورسومه توفق وتكن على خير ورضا، وإلا فأنت تتقحم مهاوي الردى» انتهى كلامه رضي الله عنه.

نخلص في هذه المقالة إلى حقيقة أن العقل الناطق الإنساني محدود، كون مدركاته مرتبطة بالموجودات المحسوسة، بينما سائر الموجودات الأخرى الخارجة عن إدراكه الحسي لا يمكن أن يتصورها التصور الكافي الذي يتيح له بناء تصورات معرفية متكاملة عنها، أضف إلى أن الأوامر الإلهية مبنية على صحة التكليف بالشريعة، فإن قامت في العقل صحة التكليف انتهى به إلى التسليم للشرع؛ فتسليمه للشرع حكم عقلي محض، والله المستعان وعليه التكلان.