إذا ما سرى بين عوالق الروح ذلك الإحساس الذي يدفع الإنسان إلى تعظيم ذاته، وعدم إنزالها إلى المراتب التي تستحقها، فاعلم بأن هناك خللًا عويصًا قد أصابها.

لطالما صادفت بين أيامك شخصًا ما وهو يتحدث في مجلس عن نفسه، فلا يخلو كلامه من دحض عيوب الناس، مزينًا بذلك أعماله، يحاول إظهار ما هو جميل فيه، وما يظن أنه عليه، متجنبًا ذكر مساوئه التي يعتقد ألا وجود لها.

أو قد تجد أناسًا حينما تتوقد نيران المشاكل فتأكل بلهبها كل جميل في علاقاتهم، لا يتوانى كل واحد منهم في توجيه اللوم إلى الآخر، ناسبًا بذلك الخطأ إلى غيره، وليس إلى ذاته.

كم مرة دفعك القدر إلى الجلوس بصحبة شخص قد مسته عدوى الخصام، فتجده يتكلم عن خصمه بشحنة سالبة، تدفعك إلى زرع سواد عميق في قلبك تجاه ذلك الشخص، وإذا ما جلست مع هذا الأخير واستمعت له هو أيضًا، فستجده هو الآخر يشتكي إليك وقد اتخذ لكلامه الأسلوب نفسه، فتسأل نفسك بربي من أصدق؟

ليست المشكلة فيمن ستصدق، فلا يهمك ما دام لا يعنيك ما قد أصاب علاقتهما، إنما المشكلة تكمن في كيفية التعامل إذا ما قدم لك الدهر يومًا، يحدث لك فيه سوء تفاهم مع شخص قريب إليك، ماذا لو تعاديت أنت أيضًا وعشت ذلك الإحساس، هل كنت ستتحدث عن خصمك بتلك الطريقة، ترى بذلك أنه هو المخطئ، وأنك أنت البريء.

حقًّا إن السؤال الذي يطرح نفسه، هو كيف تتعامل إن زلقت قدماك في مشكلة كهذه؟

يا ليت الناس صدقوا يقينًا أن الدنيا فانية، فلم يتركوا مجالًا لجعل علاقة بعضهم ببعض تتكسر بفعل ذواتهم المريضة، الكل يعلم حقيقة الدنيا، هم يقولون ذلك كل يوم، يتحدثون بزوالها، لكن لا أحد وصل إلى درجة الإيمان بالفكرة، لا أحد يتجرأ ليطبقها في حياته القصيرة.

ليس هناك في هذا العالم شخص قد غلب طابعه الشرير على روحه التي فطرها الله عليه، إنما لكل إنسان قسمة ونصيب من كل السمات المعروفة، من طيبة، وقلب سمح، وعاطفة نيرة، وكراهية سوداء، وبغض شديد، لكن لكل منا طريقة توزيعه لهذه الصفات على النفس البشرية.

هناك من يغلب على نيته طابع الشر، فلا تجده يرى في تصرف أحد تجاهه إلا ووراءه مكيدة يضمرها له، أو شيء من هذا القبيل. وهناك من لا يسلم قلبه من الخير البريء، فلا يظن يومًا أنه سيلتقي أحدًا يعامله بما لا يحب أو يصنع له ما يكره، هو دائمًا يسلط الضوء على مقدار الطيبة والحب الموجودين في قلب كل من يلتقي بهم.

إن الدنيا أقصر مما نظن، فعندما يأتي أجل كل إنسان منا، لن يلقي بالًا لمقدار الأيام التي عاشاها، إنما سيتأمل بقلب غلبت عليه الحسرة كيف عاشها.

«يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم» صدق الله العظيم.

فهل يا ترى تريد أن تلقى الله بقلب قد لوثته الخصومات، وأتعبته المشكلات، وغيرت من راحة باله الصراعات؟

إن أهم ما يجب أن يصنع الإنسان إذا ما واجه مشكلة كهذه، أن يوجه تفكيره أولًا إلى تأنيب نفسه، سائلًا إياها فيم أخطأت في حق ذلك الشخص، وهل كان في تصرفه ما استفزه، ثم بعد ذلك، وبعد أن يجيب عن سؤاله، عليه أن يجلس مع ذلك الشخص فيحاوره بالتي هي أحسن وينصت إليه بصدق لطيف.

أيها الإنسان، لا تترك نفسك تتحدث عن أي أحد بسوء في غيابه، لا تسمح أبدًا لزلة لسان، تشهد عليك يوم القيامة تأخذ بذلك كل حسناتك التي تعبت في جمعها إلى شخص ما كان منك إلا أن تحدثت فيه بما يكره، حينما لم يكن موجودًا.

إن على الذات البشرية أن تتنازل قليلًا، فيصغي كل طرف بصدق إلى الطرف الآخر، متذكرًا فقط الأيام الخيرة التي عاشاها معه، أن يعلم أن كل إنسان لا تخلو صفاته من عيوب قد تكون مخفية في أول اللقاءات.

وخلاصة كلام تعزز بكلمات وحروف تدفقت من قلب ناصح، على كل منا أن يتعلم توجيه اللوم إلى نفسه أولًا قبل أن يوجهه إلى الآخرين، وأن يحاول قصار جهده، في أن تستمر علاقته بمن يحب، لكي تحيا القلوب بالحب تنمو وتزهر.