شهدت معظم قارات العالم (أوروبا والأميركتين وآسيا وإفريقيا) نماذج لبناء جيوش ديمقراطية، وهو ما يجعلنا نتمسك بأملٍ، ولو ضئيلا، في إمكانية تكرار الأمر في بلداننا العربية.

كشفت تجربة “الربيع العربي” عن الدور الحيوي الذي تلعبه الجيوش في مسألة الثورات، ومن ثم الانتقال الديمقراطي، وأنه لا يمكن للأخير أن ينجح ويكتمل من دون التزام أصحاب البزّة العسكرية بقواعد اللعبة السياسية التي تؤطر دورهم في مجالات الأمن والدفاع عن الأوطان، بعيداً عن المجالين، السياسي والمدني. وإذا كانت الجيوش العربية قد لعبت دوراً محورياً في سياسات التحديث والتنمية، عقب مرحلة الاستقلال من الاستعمار منتصف القرن الماضي، وذلك على غرار مثيلاتها في إفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا، فإنها توغلت في المجال المدني، وهيمنت عليه بشكلٍ جمّد الحياة السياسية، وأضعف فرص نشوء أنظمة ديمقراطية ناجعة. وهو ما برهنت عليه تجربة الربيع العربي التي شهدت جميعها، باستثناء حالة تونس، تدخلاً خشناً للمؤسسة العسكرية في رسم خريطة الانتقال الديمقراطي بعد الثورات، وهو ما حال دون نجاحها.
لذا، فإن السؤال هو: هل يمكن لنا أن نتخيل وجود جيوش عربية تلتزم بقواعد اللعبة الديمقراطية؟ وهل هناك تجارب عالمية ناجحة في هذا الصدد؟ وما هي اشتراطات هذا النجاح؟ هذه الأسئلة وغيرها يناقشها كتاب “الجندي والدولة المتغيرة.. بناء جيوش ديمقراطية في إفريقيا وآسيا وأوروبا والأميركتين”، للباحث الأميركي زولتان باراني، والذي ترجمه وأصدره أخيراً المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. والمؤلف أستاذ متخصص في مسألة الجيوش ودور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، وله كتاب آخر صدر قبل فترة عن كيفية استجابة الجيوش للثورات، وصدر مترجما إلى العربية عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر.
يجادل باراني، في كتابه الجديد، بأن ثمة ثلاثة اشتراطات لقيام جيوش ديمقراطية في أي بلد: أولها أنه لا يمكن قيام ديمقراطيات راسخة بدون نخب عسكرية ملتزمة بالحوكمة الديمقراطية. وثانيها، أنه لا بد من وجود ما يسميه باراني “لحظة تكوينية” أو “مفاصل حرجة”، يُصار معها إلى تأسيس مؤسسات جديدة في الدولة، ومنها المؤسسة العسكرية. وثالثها، طبيعة السياقات التي تجري بها عملية الانتقال الديمقراطي. وهنا يشير باراني إلى ثلاثة سياقات مختلفة، قد تساهم في بناء الجيوش الديمقراطية: أولاً، سياق الحرب، أكانت كبرى تُهزم فيها الدولة هزيمة ساحقة، ومن ثم يُعاد بناؤها من جديد، خصوصا بناء المؤسسة العسكرية على أسس احترافية، ويحدث ذلك في الأغلب بمشاركة فاعلين أجانب، وذلك على غرار ما حدث في ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، أو بعد حربٍ أهليةٍ مدمرة، تدفع القوى المتحاربة إلى توقيع اتفاقات سلام وتهدئة واتفاق على قواعد للعبة السياسية، لا يُحتكم فيها للسلاح، وذلك على نحو ما حدث في البوسنة والهرسك والسلفادور ولبنان. والسياق الثاني، سقوط الحكم العسكري وفشله، ومن ثم البحث عن نظام جديد أكثر كفاءةً وقدرةً على إدارة شؤون الدولة، وذلك على غرار ما حدث مع الموجة الثالثة للديمقراطية في بلدان جنوب المتوسط (إسبانيا والبرتغال واليونان). والسياق الثالث، تحول الدولة في مرحلة ما بعد الاستعمار، كما حدث في بعض البلدان الإفريقية، مثل غانا وتنزانيا وبوتسوانا.
ومن خلال تقصي هذه الاشتراطات والسياقات، يصل باراني إلى نتيجة مهمةٍ مفادها بأن فرص بناء جيوش ديمقراطية تخضع لعملية معقدة من المفاوضات والمساومات، والتي قد تنجح وقد تفشل حسب ظروف كل دولة. ولكنه، بوجه عام، لا يبدو الأمر مستحيلاً، كما قد يجادل بعض الباحثين. بيد أن اللافت أن معظم قارات العالم (أوروبا والأميركتين وآسيا وإفريقيا) قد شهدت نماذج لبناء جيوش ديمقراطية، وهو ما يجعلنا نتمسك بأملٍ، ولو ضئيلا، في إمكانية تكرار الأمر في بلداننا العربية.