قد مرّ أسبوع تقريبًا على حلول شهر رمضان المبارك، هذا الشهر المقدس الذي ينتظره الجزائريون كغيرهم من المسلمين في العالم لاغتنامه في الطاعات ومضاعفة الأجر بالصلاة، والقيام والدعاء و الصيام طبعًا، لكن يبقى في النفس مكان للترويح يشغله المرء فسحةً ببعض الأمور الجانبية.

كمشاهدة التلفزيون مثلاً، هذا الجهاز الذي كانت تجتمع حوله العائلة الجزائرية بأكملها دون حرج – في ما مضى- خاصة بعد الإفطار مباشرة، أين كانت القناة الوطنية تعرضُ سلسلة فكاهية بأيادي جزائرية وإن كانت الإمكانيات محدودة لكن مُحترمة، لا تخدشُ الحياء ولا تكسر لمّة الأهل.

افتتاح الإعلام في الجزائر.. لماذا؟

سعد الجزائريون كثيرًا بافتتاح قنوات تلفزيونية بعد إتاحة الفرصة في مجال السمعي البصري بالجزائر، توالت التجارب هنا وهناك بالوطن من خلال جرائد سعت لدخول عالم الإعلام المرئي بافتتاح قنوات تلفزيونية، ولم يكن يهم في غمرة الفرح سوى عرض برامج جزائرية مئة بالمئة كأقل شيء في مرحلة أولية حتى إن بعض القنوات كانت تكتفي بعرض أشرطة عن الثورة الجزائرية المجيدة تخليدًا لها وتمجيدًا لرجال ضحوا بأرواحهم من أجل الوطن حتى يصل المواطن الجزائري إلى هذا المستوى ويبلّغ صوته للعالم كله عبر منابر تلفزيونية والدخول إلى الأسر الجزائرية والبيوت أيضًا، ثم كخطوة تنافسية عرض الأحسن والأجود، فتسارعت وتزادت الوتيرة بتطوير الاستوديوهات، وسعي كل قناة لاحتكار أكبر عدد ممكن من المتفرجين، كما يذكر الجزائريون الأرقام التي كانت تنشر على الجزئر حول الرقم واحد في المشاهدة ونقل المعلومة. لأن ما طغى عمومًا على المشهد الإعلامي يومها الجانب الإخباري فكل جريدة قامت بافتتاح قناة تلفزيونية وطوّرت إمكانياتها غلب عليها الطابع الإخباري لإيصال الخبر أولًا إلى المشاهد.

ثم جاء بعدها الرهان الأول للقنوات بعد عام من الوجود لإنتاج برامج وحتى مسلسلات وأفلام وثائقية ولم تدم الفرحة طويلا. ليتفاجأ المشاهد الجزائري في كل سنة بمستوى لا يسع أن تقول عنه إلا (محدود) لكن المجال كان في بدايته فتيًّا لا يجوز الحكم عليه وإنما النقد كفيل لتقويم الإنتاج.

ثمّ ماذا؟ بعد الوجود والمنافسة أين الجودة والتطور؟

بعد سنوات من الوجود كان ووجب على المتابع قول كلمته ومع التطور التكنولوجي عبّر عن سخطه ككل سنة مع وصول شهر رمضان حيث يكثر الإنتاج التلفزيوني في الجزائر كغيره من الدول العربية، لأن المنتوج لم يلبّ رغبة المشاهد الجزائري ولا بلغ طموحه، بل في مرات عديدة انحدر المستوى والصورة الأنموذج عن الأمر في البرامج ما يعرف بالكاميرا الخفية.

في السنوات الأولى بعدما كانت ترويعًا للنفوس وزرعًا للخوف رفض أغلبية المشاهدين الجزائريين الأمر، لأن الذين تم الإمساك بهم واصطيادهم -بحسب المنتجين وفي نظر من يقال إنهم إعلاميون – في برامج الكاميرا الخفية بشر، وليس لائقًا البتّة القيام بتصرف كهذا في حقهم ثم نشره أمام الملأ. ليأتي في الأعوام الموالية حلقة جديدة في نوع البرامج ذاته المعروف بالكاميرا كاشي. حيث كثُر الحديث حول الفبركة سنوات 2016-2015 بعدما كان ترويعًا واستهزاء وقيل إن بعض من تعرضوا للكاميرا المخفية يعلمون سيناريو البرنامج ومتّفقون على الأمر بمبلغ، لم يفصح القائمون على البرنامج حقيقة تلقي الضيوف مبالغ مقابل استقبالهم ضيوفًا لولا أن تسرب ممن رفضوا القيام بالأمر. فوصل الأمر من الترويع والسخرية إلى الفبركة والتمثيل ليبلغ إلى التلاعب بالمشاهد بحلقات مفبركة ويتكرر الأمر لسنوات متتالية ولم يتوقف عند هذا الحدّ كما لم يشهد المجال تطورًا بقدر ما كان هناك انحدار.

«أسلِم تسلم» وانحدار فظيع في برنامج كاميرا خفية!

بالنظر للتكوين الإعلامي الذي يتلقاه خريجو الجامعات الذين يعملون في القنوات الجزائرية أغلبهم وخصوصية الشعب الجزائري الذي يتم توجيه البرامج له يمكن تحديد إطار العمل وحدوده الذي يُشتغل عليه ويربط المشاهد بالمخرج والمنتج والإعلامي ومن جاء بالفكرة، طاقم كامل يسهر على إخراج البرنامج في حُلّة مناسبة للمّة الأهل حول مائدة الإفطار.

ورغم جميع الملاحظات ظل المشهد يتكرر من ترويع وتخويف أشبه بالكتائب الإجرامية باستضافة كاتب غير مؤمن وإجباره على نطق الشهادتين بالقوة، من زاوية ما المشاهد العادي قد لا يعرف اسم الكاتب ولا يسمع بأعماله أبدًا، لكن يعلم حقيقة كلمة «كاتب» فالصورة التي تم هزّها وضربها هي صورة الكاتب وليس فلان ابن فلان!

هذه كانت الخطوة الأولى في برامج الكاميرا الكاشي والحلقات الموالية أدخلت فنانات الغرف المظلمة إلى البيت، من الكاباريهات إلى المنزل العائلي المحترم في وقت مضى كان هؤلاء يحلمون بالمرور أمام شاشة التلفاز ولو في مشهد واحد فقط كما قال أحد الصحفيين (عن تلفزيون الشروق «قادة بن عمار») ليصبحوا هم الوجه البارز فأسبوع واحد لم يكتمل ظهرت فنانة جزائرية معروفة بغناء هابط لا يعتبر فنًا في حد ذاته باعتباره جريمة في حق الفن إن تم النظر إليه على أنه كذلك.

ظهرت من يقال أنها فنانة ويحسب عليها ذلك في نظر المعدّين كل يوم، في أسبوع واحد لم يكتمل!

كأنما لا يوجد فنان جزائري واحد له شعبية كبيرة وجماهير تتابعه يتم استضافته في البرامج، فنان جزائري واحد على الأقل سمعته طيّبة ومحبوب إلى درجة ما يمكن للعائلة أن تشاهده مع بعض وتضحك معه (وليس عليه).

ويتلخص في النهاية أن الكاميرا الخفية في الجزائر تسلط الضوء على أمرين: الأول الفن الهابط والثاني أسوء من أوّله يتعلق بالمشاكل العائلية، رجل تضربه زوجته في البلاطو وآخر يسلط الضوء على الخيانة الزوجية وغيرها.

لا فكرة، لا صورة حسنة، لا توجيه أو إرشاد… فساد فساد فساد.

ماذا يمكن أن نرى مستقبلًا؟

هذه البرامج الموجهة للعائلة الجزائرية إذا لم تحترم ثوابتها وقيم العائلة الجزائرية كفيل بها الإيقاف والمراجعة مستقبلا، والحد من صور الخادشة كأن يشاهد الرجل مع ابنه عناقًا حارًا بين المذيع وضيفته ويسلّم بحرارة عليها وآخر يتغزل بها.

أو يتم عرضها بعد منتصف الليل بعلامة غير التي تقول إن البرنامج عائلي. لتبق مجموعة من الأسئلة مطروحة: من راجع هذه البرامج ومن سمح بتمريرها وكيف يتم قبولها وما هي الأهداف التي تم تقديمها خلال مراجعة فكرة البرنامج ومناقشته وما يتم السعي لبلوغه من ورائه؟ هل هو الهدم أم البناء أم تسليط الضوء؟ هل العائلة الجزائرية مستهدفة من خلال برامج كهاته وما يجب فعله إن كان الأمر كذلك؟

هذا الأمر لا يقتصر على الجزائر فقط، بل في كافة العالم العربي أين يكون الإنتاج التلفزيوني بكثرة مصاحب للشهر المقدس فقد شهدت عدة منابر تلفزيونية المتاجرة بقضايا إنسانية (قضية اللاجئ السوري) وترويع الضيوف (برامج رامز مثلا) والفبركة وما صاحبها من قيل وقال وغير ذلك.

فما يفعل المواطن العربي المحترم؟

أغلق علينا التلفاز.