تمنحنا هذه الرواية البديعة شعورا قويا بتعقيد العالم والإنسان، ولكنها تترك فى ذاكرتنا أيضا تعاطفها مع محاولة بطلها هزيمة الشر، ومثابرته فى اكتشاف لغز ماضيه، واعتزازه بهذه الرحلة سواء عبر الذاكرة أو الأماكن، إنها رواية عن المسافة الهائلة بين البدايات والنهايات، وبين الطفولة والنضج.

«عندما كنا يتامى» من تأليف أديب نوبل 2017 كازو إيشيجورو والتى صدرت منذ سنوات بترجمة طاهر البربرى عن المركز القومى للترجمة، لا تختلف كثيرا عن رواياته التى يسردها شخص واحد، والتى تعيد اكتشاف هذا الرواى للعالم وللحياة بأكملها من جديد، بعد تجارب كثيرة معقدة؛ إنها تقريبا نفس اللعبة المدهشة:

شخص استقرت معارفه وأفكاره، عاش حياة طويلة وثرية، ولكن الذاكرة البعيدة تجعله يعيد تعريف تلك المسلمات، ويعيد تأمل كل أفكاره، مؤمنا فى النهاية بأن الحياة أكثر تشابكا وتركيبا، وأنه تعامل مع حياته بتبسيط طفولى تقريبا.

الرواية التى تدور أحداثها على مساحة زمنية تناهز نصف القرن، بطلها مخبر سرى شهير يعيش فى لندن فى ثلاثينيات القرن العشرين، اسمه كريستوفر بانكس، وهو يمتلك نجاحا ملحوظا فى حل ألغاز الجريمة.

بدافع من هذه الثقة المهنية، يقرر أن يحل لغز حياته الخاصة، فقد ولد وعاش حتى سن العاشرة فى مدينة شنغهاى الصينية فى بدايات القرن العشرين، كان والده يعمل فى مؤسسة بريطانية من أنشطتها استيراد الأفيون، بينما كانت أمه امرأة مسيحية مستقيمة تعارض نشاط زوجها.

وفجأة اختفى الأب، ثم الأم، وأرسل كريستوفر الصغير إلى لندن ليعيش مع خالته، تعلم ثم تخرج وأصبح مخبرا ناجحا، والرواية فى جوهرها ذات بعدين: رحلة بحث بوليسية عن الأب والأم الغائبين بعد سنوات طويلة من اختفائهما.

ولكنها فى البعد الثانى الأعمق هى رحلة اكتشاف كريستوفر للعالم من جديد، ولحاضر متوحش ينسخ ماضى طفولته البريئة، بل إنه يكتشف من خلال رحلة العودة إلى شنغهاى أن الشر المحدود الذى يقاومه بضبط مجرمى بريطانيا، ليس شيئا مقارنة بشر مستوطن فى الصين، حيث عصابات الجريمة، وحيث الجماعات الشيوعية الدموية، ونظام تشانج كاى تشيك العنيف، وحيث الغزو اليابانى للصين، وإرهاصات عالم مجنون، يتجه بقوة إلى الحرب العالمية الثانية.

«كريستوفر بانكس» تجاوز سن الطفولة، ولكن براءته وتبسيطه للعالم فيهما الكثير من براءة وبساطة «ستيفنز» كبير الخدم فى رواية إيشيجورو الممتازة «بقايا اليوم»، كلاهما أيضا مشدود إلى الماضى، وإلى أفكار راسخة سيثبت أنها غير صحيحة.

ورغم أن كريستوفر أكثر ذكاء وثقافة، فإن انغماسه فى البحث عن والديه، وفى عالمه الخاص، وسط حرب ضارية بين الصينيين واليابانيين، يبدو أمرا عجيبا ومثيرا للسخرية والرثاء، بل إن كريستوفر فى علاقته مع سارة، يذكرنا على نحو ما بعلاقة ستيفنز بالمرأة التى أحبته فى «بقايا اليوم».

كريستوفر يترك سارة، ويرفض فكرة الهروب معها إلى ماكاو، استكمالا لبحثه المتأخر عن والديه، فى حين كانت قد تغيرت، وبدأت فى البحث أخيرا عن الحب.

اكتشافات كريستوفر ستطال كل شىء تقريبا: سر اختفاء الأم والأب، وسر فيليب صديق والده الذى يمتلك مخرن الأسرار، ومصير أكيرا صديق طفولته، سيكتشف أن الشر ماكر وشديد التعقيد، وأن السيناريوهات التى افترضها غير صحيحة.. بل إن تعليمه بأكمله أنفق عليه رجلُ عصابات صينى!

التفاصيل مذهلة، والحبكة مليئة بالمفاجآت؛ مثل أى قصة بوليسية، ولكن الأهم هو أن كريستوفر يفقد فكرته عن الطفولة، ولا يبقى له سوى ذكريات قديمة مندثرة، وجهده فى البحث، وقدره الذى حمله على أن يتصرف كيتيم، يطارد ظلال والديه المختفيين.

تنتهى الرواية فى العام 1958 بالوصول أخيرا إلى الأم، ولكن بعد أن صار كريستوفر مُتقدما فى السن، لم يعد طفلا، لا من حيث السن ولا التجربة، لديه رصيد من القضايا الجنائية التى يفخر بحل ألغازها الصعبة، ولكن لديه كذلك صدمة هائلة فى الجميع، ذلك أن الإنسان والعالم هما «لغز الألغاز»، الذى لا ولن نعرف له حلا، على مر العصور!