اختار الله شهر رمضان من بين سائر شهور العام لينزل فيه القرآن من كتابه المكتوب فى عالم الغيب إلى دنيا الناس فى عالم الشهادة فبدأ تنزيل القرآن على رسولنا محمد خاتم الأنبياء فى شهر رمضان وهكذا اجتمع علينا من فضل الله خيرات قلما تجتمع.

ــ1ــ
فشهرنا هذا شهر مختار اختيارا إلهيا.. اختيار الخلاق العظيم الذى يعلم جميع ما خلق، فهو سبحانه قد خلق الزمن كله وجعله سنوات فى كل سنة اثنى عشر شهرا، ثم تفضل سبحانه باختيار رمضان من بين أشهر السنة كلها.

اختاره أولا ليذكر باسمه فى القرآن الكريم دون سائر الشهور، فليس فى القرآن الكريم أسماء شهور سوى هذا الشهر حيث قال (( شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)).

واختاره ثانيا لينزل فيه القرآن الكريم وهو خاتمة الوحى الإلهى، وهو الكتاب الباقى فى دنيا الناس مقروءا ومكتوبا ومسموعا يتداوله جميع البشر فى أى زمان ومكان، ويتناوله مجانا دون مقابل، حيث يجدون فيه تشريعات لمصالحهم وحلولا لمشاكلهم.

واختاره ثالثا ليجعله زمن الصوم السنوى.. وعبادة الصوم عبادة جليلة القدر إذ تتولى الإنسان بجميع جوارحه فتعيد ترميم ما فسد، وإحياء ما مات وتصحيح ما انحرف.

ــ2ــ
الصوم هو امتناع عن كل المرهقات، ويبدأ بالامتناع عن الشهوتين الكبيرتين وهما شهوتا الطعام والجنس، وفى هاتين الشهوتين يستأثر الإنسان برغبته فيتعامل مع الطعام والشراب تعاملا غريبا.. نعم تعاملا غريبا دون نظام، إذ يترك لنفسه حرية الأكل والشراب طوال الليل والنهار، هكذا فكل ما تشتاق النفس إليه امتدت إليه يده وأدخله إلى بطنه، وسرعان ما يتم هضمه وإخراجه، ثم يعاود الكرة وربما تناول طعاما قبل أن يخرج بقايا ما سبق تناوله.

وأيضا يكون السلوك الجنسى مثل الطعام إذ يمارس الزوجان شهوتهما كلما أرادا، وحيثما أرادا، فيحيى الصيام ويعيد ضبط السلوك البشرى، فما دام الإنسان قد جعل للعمل وقتا محددا وقدرا محددا لماذا لم يحدد للطعام والجنس وقتا محددا وقدر محددا؟!

ــ3ــ
ويرتقى الصوم بصاحبه فيهذب سلوكيات الحواس ويعيد ضبطها على أصول الفطرة والشرع.

فالعقل أولا لا يفكر فى أى ضرر، ولا يدبر أى فساد، وإذا تورط فى التفكير سارع بالاستغفار والتوبة ويرجع عما فكر فيه، ثم العين تصوم عن تتبع خصوصيات الآخرين، فلا نظر إلى ما حرم الله، ولا تجسس على أسرار الآخرين. والاذن تصوم عن التصنت واستراق السمع. واللسان.. وما أدراك ما اللسان، ففى الصيام لا غيبة ولا نميمة ولا شتم ولا سب ولا غمر ولا لمز ولا سوء.. ثم لا كذب ولا تضليل ولا إشاعة وإذاعة للمساوئ والعورات والكذب.. بل إن اللسان يصوم عن حق الرد على المتعدى حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إذا كان يوم صوم أحدكم فإن امروء شاتمه أو قاتله فليقل (فى نفسه) إنى صائم».. أى لا يصح لى مبادلة القبيح بمثله بل بالصبر والترفع والاستمساك بالصوم.

ــ4ــ
وتصوم اليد عن الشرور فلا تأخذ ما ليس لها، لا تأخذ رشوة ولا تسرق ولا تؤذى أحدا، فلا تشير إلى منكر ولا تحمل مكروها ولا تساعد معتديا، لا تمارس الغش والتلفيق. كما تصوم الأقدام عن السير إلى الخطايا أو السعى إلى الشرور، أو الهرب من المسئولية، فجميع الحواس وجميع أعضاء الجسد تصبح فى «ضيافة الرحمن» فلا تتورط فى الخطايا، ولا تتكاسل عن طاعة فيبقى الصائم متمتعا بثواب الصوم وصواب الاختيار وضمان الحسنى فى الدنيا والآخرة.