تتجه اليوم دول كثيرة إلى تفعيل السياسات العقابية الحديثة؛ فتعمل على تطبيق العقوبات البديلة لأسباب إنسانية واجتماعية ووطنية واقتصادية، وخصوصاً في الجرائم والمخالفات التي تقع أول مرة، وذلك بالتوسع في الأخذ بالعقوبات البديلة عن السجن.

تعتبر عقوبة الحبس الوسيلة الأكثر شيوعاً للمعاقبة منذ أزمان بعيدة. وفي القرن الماضي كان هناك اتجاه إلى التقليل من العقوبات البدنية (مثل الجلد والإعدام وقطع الرأس)، والتوسُّع في عقوبة السجن أو السجن المؤبد بديلاً. ومع مرور الوقت، ومع توسع مفاهيم حقوق الإنسان في مناطق عديدة، أصبح هناك اتجاه أقوى إلى تطبيق بدائل أخرى عن السجن منذ سنوات. ولذلك نرى أنه كلما كانت الدول أكثر تقدماً ومدنيةً كانت هناك بدائل كثيرة لعقوبة الحبس، عكس الدول التي لا تزال تتوسع في عقوبة الحبس والاعتقال تحت عدة مسميات، منها الحبس الاحتياطي في مصر الذي أصبح المسمّى الجديد للاعتقال.
وقد خلّفت العقوبات السالبة للحريات حجماً من الانتقادات في دراسات جنائية وقانونية كثيرة في العقود الماضية حول العالم، وهو ما دفع دولاً عديدة للتقليل منها، بهدف تقليل السلبيات النفسية والاقتصادية والاجتماعية. وتمتد الآثار للفرد والأسرة والمجتمع بأكمله، وفي أحيان كثيرة، تؤدي عقوبة الحبس إلى آثار عكسية، وتؤدي إلى أضرار فادحة بالمجتمع.
وهناك إشكاليات عديدة أثارتها العقوبات السالبة للحرية، والتي يجب دراستها، ومنها: إفساد المسجونين عن طريق الاختلاط وتعليم اعتياد الإجرام واكتساب خبرات إجرامية، وانتقال العدوى للمحكوم عليهم الأقل إجراماً، فبدلاً من أن يتحول السجن إلى مكان للتهذيب والإصلاح، يتحول إلى معهد لتخريج مجرمين جدد. وهناك دراسات عديدة توضح أن هناك نسبة ضخمة من تحول جرائم المصادفة إلى جرائم الاحتراف؛ كان داخل مجتمعات السجون التي تسهم في
“توجه عام إلى التوسع في الحبس الاحتياطي على خلفية القضايا السياسية وقضايا الرأي”

تعليم الجديد من أساليب الإجرام. ولوحظ أيضاً انتشار الشذوذ وانتقال الأمراض، بسبب الحرمان من ممارسة العلاقة الجنسية الطبيعية سنوات طويلة.
وهناك الاضطرابات النفسية والانتقال المفاجئ من الحرية إلى الحبس وفقدان الشعور بالأمان، وزيادة مشاعر القلق والخوف من المستقبل، أو فقدان الخصوصية في المعيشة، أو زيادة الانعزالية في حالة الحبس الانفرادي، وأيضاً قد يُصاب مسجونون كثيرون بالاكتئاب واضطرابات النوم سنوات طويلة بعد الخروج من السجن.
وهناك الآثار الاقتصادية، مثل إرهاق ميزانية الدولة، خصوصاً مع ازدياد أعداد السجون والمساجين، وكذلك تعطيل الإنتاج وحرمان الاقتصاد من نتاج أعمالهم ووظائفهم وإبداعهم خارج السجون، وكذلك نشر روح الاتكالية بين بعض فئات المساجين الذين قد يفضّلون البقاء في السجن والحصول على مأكل ومسكن مجاني، بدلاً من الصراع للحصول على الحد الأدنى من الحقوق خارج السجن. هناك الآثار الاجتماعية، مثل تبنّي السجين ثقافة السجون وصعوبة الخروج من هذا المجتمع والثقافة حتى بعد الإفراج عنه، فيظل يبحث عن تلك اللغة والأشخاص أنفسهم أصحاب السوابق بدل الانخراط في المجتمع الطبيعي. وهناك آثار اجتماعية أكثر خطورةً، مثل انهيار أسرة السجين وتفككها أو انحراف أفرادها.
وتتجه اليوم دول كثيرة إلى تفعيل السياسات العقابية الحديثة؛ فتعمل على تطبيق العقوبات البديلة لأسباب إنسانية واجتماعية ووطنية واقتصادية، وخصوصاً في الجرائم والمخالفات التي تقع أول مرة، وذلك بالتوسع في الأخذ بالعقوبات البديلة عن السجن؛ وذلك للتخفيف من حدّة السجون، ولحث المذنبين وتشجيعهم على خدمة المجتمع، هذا في الجنائي الذي قد يكون قد ارتكب جنحةً ما، كالمشاجرة أو تعاطي المخدرات أول مرة، أو تورّط في أمر ما بسبب حداثة السن أو تعثر

“خلّفت العقوبات السالبة للحريات حجماً من الانتقادات في دراسات جنائية وقانونية كثيرة في العقود الماضية”

في سداد القروض، فما بالك بالمسجون السياسي الذي لم يرتكب جريمةً، غير أنه مارس حقه القانوني والدستوري والطبيعي في التعبير عن رأيه، أو انتقاد السلطة في يوم من الأيام.
وهناك عقوبات عديدة بديلة، يتم تطبيقها في دول عديدة، مثل الحبس مع إيقاف التنفيذ، والوضع تحت الاختبار والمتابعة، والخدمة المجتمعية، والغرامات اليومية، والإقامة الجبرية، والمراقبة الإلكترونية والإفراج الشرطي، وأفكار كثيرة تمت مناقشتها ضمن قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا للتدابير غير الاحتجازية (قواعد طوكيو التي أوْلت اهتماماً كبيراً بترويج العقوبات البديلة عن الحبس، من أجل إشراك المجتمع في تأهيل المجرمين، بالإضافة إلى توصيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة عام 2013، بأن تبذل الدول الأعضاء مجهوداً لتقليل الاكتظاظ في السجون، وتقليص اللجوء إلى الحبس الاحتياطي، وتشجيع بدائل الحبس).

وبعد ذلك كله، عند النظر إلى الحالة المصرية، نجد أن العكس هو ما يحدث، فهناك توجه عام إلى التوسع في الحبس الاحتياطي على خلفية القضايا السياسية وقضايا الرأي، بديلاً للاعتقال الإداري الذي كان موجوداً قبل الثورة، بالإضافة إلى المشكلات والثغرات والترهّل في المنظومة القانونية والقضائية التي تسببت أيضاً في تكدُّس المتهمين في قضايا جنائية داخل السجون وأقسام الشرطة. وعلى الرغم من ذلك، لا تجد أن السلطات في مصر تعالج ذلك ببناء سجون جديدة بميزانيات جديدة، بدلاً من اتخاذ إجراءاتٍ لتخفيف التكدس أو تقليل الظلم الواقع. وبدلاً من التوسع في بدائل الحبس الاحتياطي، وإن كانت هناك بدائل موجودة بالفعل في القانون المصري، مثل المراقبة الشرطية والتدابير الاحترازية والإفراج الشرطي. ولكن عند التطبيق يتم تحويلها إلى عقوبةٍ لا تختلف كثيراً عن السجن في جوهرها، ويتم استخدامها من أجل الإذلال والسيطرة والمساومات، أكان المفرج عنه سياسياً أو جنائياً.