لم نعوّض الدراما المكسيكيّة (Telenovelas) بما هو أفضل. فقط جلبنا الدراما التركيّة (Turk dizileri) المماثلة في المستوى الفنّي. كانت حسنتُ اللاتينيّة أنّها تُدبلج إلى الفصحى فيعتاد الأطفال نطقها وسماعها وإن كانت مسلسلات (ثمرة حبّنا) تلك لا تتناسب مع أعمارهم وتفسد أخلاقهم. غابت الفصحى، لكن بقي ولع سيّدات المنازل خصوصًا بتلك الدراما، بدفق الرومنسيّة بطابع ميلودراميّ، وبوسامة الأبطال فمن (Antonio وLuis Filepe Sandoval) أو (salle de bain –غرفة الحمّام- كما كنّا نتندّر بكنيته في الصغر) مررن إلى الأسماء المعرّبة كمهنّد وعمّار كوسوفي والسلطان وغيرهم. أو حتّى بجمال الحسناوات بالنسبة لحيّز من الرجال يتابعون إمّا رغبة أو اضطرارًا، من Raquel وCassandra (وقد أطلقت إحداهنّ هذا الاسم على ابنتها) إلى أسماء معرّبة كذلك كـلميس ونور وهيام.

كذلك لم تكن تلك الأعمال من النوع الذي يرتقي بالذائقة الفنيّة. فمثل هذه المسلسلات (سواءٌ الأمريكيّة أو اللاتينيّة) في الولايات المتحدة، المتربّعة على عرش صناعة الدراما، أقرب إلى أن تُعرض خارج وقت الذروة Primetime، إمّا نهارًا أو عشيّة لسيّدات المنازل ضمن صنف مسلسلات الـ(daytime)، إذ مستواها الفنّي لا يخوّل لها لمجاراة دراما الصنف الأوّل التي تتنافس بشراسة في ساعات الذروة، بحبكتها الدراميّة العالية وإيقاعها المرتفع وميزانيّاتها الضخمة.

وقد كانت هناك بعض المحاولات لدبلجة أعمال الصنف الأوّل الأمريكيّة، لكن بما أنّ إنتاجات العشريّة الحاليّة خصوصًا، جاوزت (ثمرة حبّنا) إلى التطبيع مع (المثلية) و(الحشيش)، صار ذلك محالًا. واستقرّ الأمر للدراما التركيّة، مع حضور بسيط للدراما اللاتينيّة والكوريّة.

وكان لحضور وشعبيّة الدراما التركيّة طيلة أكثر من عقدٍ من الزّمن على القنوات العربيّة، أثر وتأثير على صناعة الدراما العربيّة، خصوصًا من حيث التركيز على جماليّة الصورة، وهنا أتوقّف مذكّرًا بأثر الدراما السوريّة على المصريّة في بداية الألفيّة من حيث الدفع إلى رفع مستوى الإخراج، ومن ثمّ كان الأثر التركيّ. طبعًا الجماليّة هنا ضمن عامل جذب وإبهار البصريّ يمتدّ إلى بهرج الثراء أو الشريحة العليا من الطبقة المتوسّطة مع وجوه جميلة في الكاست، لتمثّل الصورة حلمًا يهرب من خلاله المشاهد العربيّ من واقعه. وضمن هذا الإطار، زادت جرعة الرومنسيّة أيضًا بشكل ملحوظ.

لكن في إطار التأثّر ابتلينا عربيًّا ببطء إيقاعٍ أنكى بكثير من ذلك الذي كنّا نتذمّر منه ضمن عُرف الثلاثين حلقة، بل برزت ظاهرة إنتاج أعمال من ستّين وتسعين حلقة وأكثر دفعة واحدة، لا تعرض في النهار أو العشيّ، وإنّما في ساعات الذروة التلفزيونيّة. وزادت نسبة النصوص التي تفتقر للعمق وتغترب عن عادات ونواميس مجتمعاتنا، بل منها من يروّج ويطبّع مع ثمرة حبّنا والمغيّبات، إمّا قصدًا أو لضرورة التشويق، بما لذلك من أثر على النشء في غياب تصنيف عمريّ في معظم الدول العربيّة، وإن شرعت مصر منذ موسمين في اعتماد تصنيف بمعايير داخليّة.

تضاءلت نسبة الأعمال التي تسلّط الضوء على مشاكل المجتمع مع مراعاة الجانب القيمي. ربّما للحرب في سوريا أثر، لكنّ ذلك بتأثير وطلب من المنتج والقنوات التي ترى أنّ السوق الآن للأعمال المشابهة للتركيّ لأن – حسب رأيه – الجمهور يطلب هذا الصنف، كما كان الأمر مثلًا لأعمال البيئة الشاميّة في فترة ليست ببعيدة. فالمنتج في هذه الصناعة المكلفة، يميل غالبًا لما هو مضمون ومربح، مع تجنّب الرهان على نصوص مختلفة وإن كانت بسويّة فنيّة محترمة.

خلاصة القول إنّنا تقريبًا نراوح مكاننا أو نتراجع من حيث المستوى والذائقة الفنيّة على حدّ سواء، فمن ثمرة حبّنا اللاتينيّة إلى التركيّة، إلى الاستنساخ العربيّ لهذه الثمرة، تحسّنت الصورة لكن بهرجًا لا عمقها، وتأزّم وضع النصوص أكثر وأكثر.