أهلًا وسهلًا بكم، لقد حل أخيرًا الشهر الكريم، وثبتت الرؤية، إنه شهر النفحات، يقبل علينا حاملًا الخير الوفير، رمضان شهر الروحانيات، الشهر المرتقب كل عام من حوالي ما يفوق المليار شخص حول العالم، شهر التخلص من أحمال الذنوب، والعودة إلى الله، شهر تُسلسل فيه الشياطين، فإن اقترفت ذنبًا فاعلم أنك أنت من ذهبت له بقدميك أيها الغافل!

لا حاجة لذكر الخير الجاري في هذا الشهر جريان النهر في مجراه، ولا حاجة أيضًا لسرد طقوس هذا الشهر العديدة، والتي مهما اختلفت وتباينت بين بلد وأخرى، لكنها تتفق في فحواها ومضمونها، لست أكتب لكي أوبخ الناس، وأشعرهم لكم هم مقصرين دينيًّا، ليس هذا من شأني، وليس هذا هدف المقال من الأساس، لكني هنا سأتكلم عن البشر في هذا الشهر من الناحية السلوكية، أو ما سأسميه مجازًا «متلازمة رمضان».

رمضان وَسَط مؤثر

هل يختلف سلوك البشر قبل وأثناء رمضان؟ الإجابة هي نعم وبلا شك؛ سواء في نمط الحياة الاعتيادي، أو في الإقبال غير المسبوق على العبادات باعتبار أنه شهر التخفيضات الإلهية، لكن هل هذا يدق ناقوسًا ما عند أحدكم؟ أعتقد أنه عدا صرخات الشيوخ، وحديثهم اللاهث الراجي بعدم انقطاع الناس عن العبادة بعد رمضان، فإن سباق الثلاثين يومًا عبادة، لا يتم الحديث عنه، ولا عن دلالته، والدوافع من ورائه، هل يعرف الناس ما الحكمة من وراء الصوم؟ لترويض النفس؟ ربما، للشعور بالفقراء؟ جائز، لكنك لن تجد ما يتعدى ذلك، لن ينظر أحد أبعد مما قيل له، حسنًا لنترك الكلام في المطلق، ولنسرد بعض الأمثلة، هل لدى أحدكم هذا الصديق الذي لا ينقطع عن وصلات السباب، وقذف كل ما يجد في طرقه من أشياء أو شخصيات -حقيقية كانت أم اعتبارية- بكل العبارات النابية في اللغة، بل واختراع تركيبات لفظية جديدة من القمامة؟، للتأكيد على حبه للسب، والذي توقف وبطريقة مدهشة عن إطلاق أي سبة طوال اليوم ابتداءً من أول يوم في رمضان، ويمكن أيضًا أن تمتلك ذلك الصديق الذي لو ظهر في أحد الأزمنة القديمة لكان إلهًا للشهوة، أو الخمر من كثرة ما يحتسي من خمور، أو يمتلك من عشيقات، والذي يتحول تلقائيًّا من ماجن محترف، إلى أحد رواد الطرق الصوفية في رمضان، والأمثلة كثيرة ومتنوعة، ولن ننتهي من سردها، والهدف منها ليس رفع أسنة الرماح لهؤلاء أو لغيرهم، فلا أنا ولا غيري يملك أن يحكم على أحد، أو أن يحاسب أحدًا، لكن كل ما سبق هو سرد لحالات تحدث لا نملك رفاهية إنكارها، فلقد شبعت هذا البلاد من الإنكار، فلا مكان للمزيد منه.

خارج دائرة الأفراد

في بعض الحالات يتعدى تأثير «متلازمة رمضان» الأفراد، وحتى التجمعات؛ ليتغلغل في الدولة، ولا عجب فدولتنا المصرية تهتم بالمواطن، وبكيفية جعل حياته توصيفًا حرفيًّا للجحيم، لكن في تلك النقطة يبدو أن الدولة فقدت شغفها بتعذيب وإثارة أعصاب المواطن، وخاصة المواطن «الميديوكر» -هذا أيضًا تعبير من اختراعي-، فتغلق المقاهي، والنوادي الليلية، ومحلات بيع الخمور، وبل تتجلى عبقريتها في القبض على المفطرين عقابًا على ارتكابهم لهذا الجريمة التي يقشعر لها البدن في وضح النهار، وكأن إفطار أحدهم أو ثمالته ستفسد صيام باقي إخوته في الوطن، لا أعرف تحديدًا إن كان المسئول عن هذه القرارات يصدرها لكونه مؤمنًا بها؟، أم أنه يريد فقط الحفاظ على الركود العام لتلك المحكمة الدينية المكونة من مائة مليون شخص؟ ومما لا شك فيه أن تلك القرارت تنم عن قصر نظر، وغباء منقطع النظير، ولكن الأهم من ذلك أنها نابعة من الخوف؛ الخوف من أن يكون هناك شريحة من الناس لا تريد ممارسة تلك الطقوس، والخوف من أن يعلنوا عن وجودهم، فكيف يتم علاج ذلك؟ بالقهر.

التجارة مع الله

حسنًا لنترك كل ما يتعلق بسياسة الدولة في التجهيز للشهر الكريم، ولنعد للأفراد، ربما كنت قد تخيلت عدة نماذج لأشخاص تعرفهم في حياتك مثل النموذجين السابقين الذكر، ذلك التنافر الرهيب في الأفعال الذي يقع فيه الناس في هذا الشهر؛ رغبة منهم في الاستفادة المثلى من هذا الشهر، باعتبار أنه تجارة مع الله، نتعبد في هذا الشهر بصدق وإخلاص، وتغفر لنا خطايانا، فنشعر بالراحة والسكينة تستوطننا، ويغمرنا الرضا عن الذات، لكن وعلى العكس فإننا نخسر أنفسنا -ربما تستعد عزيزي القارئ الآن لأن تقذفني بكل ما تملك من سباب لكن انتظر- نحن نخسر أنفسنا لأننا لسنا صرحاء معها كما ينبغي، ليست أفعالنا تعبيرًا حيًّا عن ما يدور في أدمغتنا، لسنا متوحدين مع أفكارنا، نمارس العبادة وما لها من قيمة روحية، ونتطلع بجوع إلى ما نطمع فيه مما حولنا، مما يرضينا سواء كان صحيحًا أم لا؛ فيختل الميزان، ونصبح مسوخًا نحتال على أنفسنا قبل الآخرين، ليست لدي مشكلة إن كنت تريد قضاء يومك كله ناسكًا متعبدًا، لا هم له، ولا شغل غير التعبد والتأمل، إن كانت تلك رغبتك حقًا ليس بدافع الانقياد وراء موروث، أو بدافع الانسحاق تحت وطأة الذنب، أو بغرض إرضاء الله بشكل مؤقت، إن كنت تريد تغييرًا فلا تنتظر رمضان، أو غير رمضان، فليس هنالك من طقس ديني قادر على أن يدير دفة حياة أحدهم إلا في استثناءات قليلة، كانت فيه تلك الطقوس تعبيرًا حيًّا عن دواخل الفرد، وإرادته في التغيير.

خاتمة

لا أطالب أحدًا أن يكون راهبًا، أو أن يكون منحلًا، ولا أملك ولا أريد أن أوجه أحدًا، أو أكون بناصحٍ لأحد، لكن كل ما أريد أن يكون الفرد في رمضان كما كان قبله، وكما سيكون بعده، لا أن تكون الطقوس أو السلوكيات صحيحة كانت أم خاطئة، مثل الخيط الناشز عن نسيج أفكاره، فيطل علينا مسوخ يتلاعب الوقت بسلوكهم، أو بقوة إيمانهم.