صَدَّقَتْ مصر على اتفاقية حقوق الطفل 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989م، والتي دخلت حيز التنفيذ 2 سبتمبر (أيلول) 1990م، كما قننت أيضًا حقوق الطفل في قانون الطفل المصري رقم 12 لسنة 1996م، والمعدل بالقانون رقم 126 لسنة 2008م.

للوهلة الأولى؛ من خلال النصوص القانونية التي تتسق مع المبادئ الإنسانية، يبدو اكتراث الحكومات المصرية المتواترة برعاية حقوق الأطفال، وإدراجها في قائمة الأولويات، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل هذه النصوص يتم تفعيلها على أرض الواقع بصورة تحفظ حقوق هؤلاء الأطفال؟ أم أن الاستخفاف بهذه الحقوق بالتذرع بأن الحكومات المصرية المتواترة يشغلها ما يكفيها من مهام تمت بالأمن القومي تَحول بينها وبين تفعيل هذه القوانين؛ فيتمخض على ذلك إحالة هذه النصوص القانونية من صورتها المنمقة إلى هباء منبث؟

رغم مشاركة الكثير من المواطنين والمواطنات في انتهاك هذه النصوص بصورة سافرة، سواء كانوا من طائفة المعلمين والمعلمات، أو كانوا من طائفة الآباء والأمهات؛ إلا أنه لا تثريب على الطائفتين السابقتين؛ لأن تورطهم في مثل هذه الانتهاكات تارة يبررها عدم التأهيل الأكاديمي والعملي للطائفة الأولى المتمثلة في المعلمين والمعلمات، للتعامل مع هؤلاء الأطفال؛ مما يترتب على ذلك تقويض دور المنظومة التعليمية الرئيسي في إرساء قيم تربوية سديدة في ألباب وأفئدة هؤلاء الأطفال، ودحض دورها التعليمي أيضًا، وتارة أخرى يبررها تردي الأوضاع الاقتصادية، والتعامل القاصر على فرض قيم مجتمعية زائفة، على كواهل هؤلاء الأطفال للطائفة الثانية المتمثلة في الآباء والأمهات؛ مما يسفر عن ذلك حرمان هؤلاء الأطفال من حقوقهم في التعليم، والدفع بهم إلى سوق العمل، وهم في باكورة عمرهم، وغرس  معضلات نفسية في نفوسهم لا سبيل لتضميدها سوى إعادة تأهيلهم من جديد.

مما لا شك فيه أن الحكومات المصرية المتواترة؛ هي التي تتحمل الجزء الأكبر في المسئولية التي تقع على المجتمع بأسره، إزاء انتهاك حقوق هؤلاء الأطفال المنبثقة من المبادئ الإنسانية، والدينية، والقانونية؛ لأنه من المفترض أن المسئول الأول على تفعيل هذه القوانين وتطبيق الجزاء المقترن بها هي السلطة التنفيذية؛ فمن ناحية أولى لم تضطلع السلطات المركزية في الدولة عن ممارسة دورها في الرقابة، والوصاية على السلطات اللامركزية (المحلية- المرفقية) بصورة دقيقة؛ مما أدى إلى إطلاق العنان للموظفين العموميين في الهيئات المرفقية (المدارس) إلى تجاوزات عاتية، تتبلور في توجيه الإهانات البدنية التي تتمثل في الاعتداءات الجسدية، أو الإهانات المعنوية التي تتمثل في التثبيط والتوبيخ، لأسباب لا تمت للدور التربوي والتعليمي بصلة، تعصف بحق أساسي من حقوق هؤلاء الأطفال المتمثل في الحق في التعليم، والمشار إليه في المادة 28 من اتفاقية حقوق الطفل، والإخلال بالدور التربوي والتعليمي الذي يتجلى في تنمية شخصية الطفل، ومواهبه، وقدراته العقلية والبدنية إلى أقصى إمكاناتها، والمشار إليه أيضًا في المادة 29 من اتفاقية حقوق الطفل.. «فها هو طفل لم يكمل عامه الرابع عشر، لا يجيد القراءة والكتابة، ولكنه يعمل في حرفة، وعندما سألته عن المدرسة قال لي: إنه غادر المدرسة حتى يستريح المعلمون منه؛ لأنهم كانوا يوجهون له عبارات من قبيل اذهب لتعلم حرفة، مكانك ليس هنا، أنت غبي… إلخ من عبارات الإهانة التي تمزق قلب أي طفل، وتقتل أي رغبة ولو بسيطة في التعلم، وتجعل المدرسة ألد أعدائه»، وأيضًا يتخلف دور الهيئات المحلية الرقابي على سلوكيات الآباء في تعاملهم إزاء أبنائهم، فكثير من الآباء يسلب من ابنه حقه في التعليم تعسفًا، وهو لم يتجاوز العقد الأول من عمره؛ بهدف الاستغلال الاقتصادي له، فلم تستطع المادة 32 من اتفاقية حقوق الطفل أن تحيطه بالحماية من هذا الاستغلال.

كما انصرف العاملون في الهيئات المحلية إلى التملق للعاملين في السلطات المركزية صاحبة الوصاية والرقابة عليهم، وللنائب البرلماني الذي يمثل الدائرة المعنية، والذي يملك اختصاصات رقابية أيضًا عليهم، عن طريق إقامة الندوات الرائجة للإنجازات المزعومة على أنقاض دورها الهام في الاضطلاع بالتوعية، ومحاولة وضع القوانين التي تكفل الحماية اللازمة لهؤلاء الأطفال موضع النفاذ.

ومن ناحية ثانية انصرفت الدولة السلطوية إلى مجابهة الحراك السياسي؛ مما تمخض على ذلك إغلاق الفضاء العام، لقناعاتها أن دور المجتمع المدني ينحصر في الحياة السياسية، وليس له أدوار مجتمعية؛ فانكشف عن ذلك فراغ، كان يشغله المجتمع المدني بمؤسساته، مما أدى إلى افتقاد دوره الهام في التوعية، ورصد الانتهاكات التي يتعرض إليها هؤلاء الأطفال، ومحاولة تأهيلهم، بالإضافة إلى دوره الرقابي على السلطات المركزية، وما يندرج تحتها من سلطات لا مركزية.