07567af6-3d44-49ec-9507-4df5d8148abf.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

سما حسن

ظل الداعية المصري، عمرو خالد، عشرين سنة يحاول، بصوته وحركاته وقسمات وجهه، أن يحوّل الشباب خصوصاً إلى عقول لاقطة، لا ناقدة، ويضرب لهم الأمثلة المركَّبة عن الصبر والتحمُّل، وهو يحيا حياة الملوك، بسبب منهجه في التكسُّب بالدين، والتمسُّح بذوي السلطة.

منذ فتحنا أعيننا على هذه الحياة، التصق صوتُ المسحَّراتي بشهر رمضان، وحفر ذلك الحنين في قلوبنا، ونحن صغار، على الرغم من أننا لم نكن نصوم، ولكن للشهر هيبة مثل هيبة الأب بشاربيه الكثَّيْن، حين يعود من عمله إلى البيت، فالترقُّب المُحبَّب سيد الموقف. ولذلك، حفظنا طقوسه، وانتظرناها، ومنها “المسحَّراتي” الذي كان يدور في الحي، وينادي على السحور. وردّدنا في النهار، وأزعجنا الصائمين بعبارات المسحراتي المسجوعة “اصحى يا نايم، وحِّد الدايم، رمضان كريم”.
هذه هي العبارة المعتادة التي لا يستطيع أن يخرج عنها أيُّ مسحراتي أصيل. وحين غزا التلفزيون بيوتنا، سمعنا هذه العبارة من خلال الإنشاد الذي يقدِّمه سيد مكاوي بصوته، وغيره من المطربين أصحاب الصوت الجميل، بل إن أمير الطرب هاني شاكر غنَّى مع المسحّراتي إسماعيل ياسين، في بدايات التلفزيون المصري، وإن اختلفت العبارات والترانيم، لكن الثابت فيها ظل العبارة التي ترتبط وجدانياً بشهر رمضان، لكن الغريب أنّ المزج بين الدين والسياسة، والخلط بين الطقوس الدينية والسياسة أيضاً، قد ظهر مبكِّرا، وبدأت الإسقاطات السياسية التي يستخدمها الكتَّاب تتعرض للحذف والتغيير، ومنها ما كتبه فؤاد حداد، في إحدى حلقات برنامج “المسحّراتي”، حيث كتب “الاستمارة راحت لحسني”. وفي ذلك إشارة للرئيس حسني مبارك، وكان قد تقلّد الحكم قبل عام من بدء البرنامج، وكانت الحلقة تتحدث عن الروتين الوظيفي، وبطء المعاملات في المؤسسات الحكومية، واصفاً الاستمارة التي تحتاج توقيعات كثيرة بأنها “استمارة راكبة حمارة”. وأمام الخوف من فهم العبارة بطريقة خاطئة تسيء للرئيس الجديد، تم تغيير العبارة لتصبح “والاستمارة راحت لزهدي”….
واستمر إشغال الشعوب بخلط الدين بالسياسة والتحريم والتحليل، فكل رمضان هناك من يخرج بدعوى وفتوى، مثل أن ترديد عبارة “رمضان كريم” من المحرّمات، لأن الكريم من أسماء الله الحسنى، فلا يجوز إرفاقها مع اسم الشهر، فالكرم قد ارتبط بالخالق، ولا تقل “أنا فاطر”، لأن الله فاطر السموات والأرض، وأنت تقع في الإثم، حين تردّد هذه المفردة، وتوالت الاختراعات والانتقادات، لكي يمرّ كل شهر رمضان بجدلٍ مرعب، فيفقد عاما بعد عام كثيرا من رونقه وبهجته، حتى نشعر أن هذا الشهر فقد شخصيته، كما فقدنا لهفتنا عليه، بعدما كان مثل ابن سافر للإعارة في دولة ثرية، وسيعود في إجازة الصيف، محمَّلا بالهدايا لوالديه وأسرته.
وتكاثر أدعياء الدين ودعاته بتكاثر الشاشات الفضائية، ومنهم عمرو خالد، والذي ظل عشرين سنة يحاول، بصوته وحركاته وقسمات وجهه، أن يحوّل الشباب خصوصاً إلى عقول لاقطة، لا ناقدة، ويضرب لهم الأمثلة المركَّبة عن الصبر والتحمُّل، وهو يحيا حياة الملوك، بسبب منهجه في التكسُّب بالدين، والتمسُّح بذوي السلطة. ولكن يبدو أن الأمر لم يعد يجني مزيدا من الأرباح للقنوات التي تبثُّ برامجه، وتتخلّلها الإعلانات التجارية، فلجأ هو بنفسه ومقامه لتقديم إعلان عن نوعٍ من الدجاج، وحاول الالتفاف لإقناعنا بأن الجسم السليم المتفرّغ للعبادة يحتاج للتغذية بدجاج بعينه، ولا نوع سواه. وأطلّ الصحافي إبراهيم عيسى برأي غريب عن الحكمة من الصيام، حيث قال إن الصيام لا يورّث الصحة التي تتضرّر به، على عكس ما ورد من أحاديث نبوية أثبت صحتها العلم الحديث عن فائدة الصيام للجسم.
كأن هؤلاء ينتظرون شهر رمضان لكي يلمِّعوا أنفسهم على حساب الشهر الفضيل، وربما هوس الشهرة. وقد أصبح كسب الملايين مرضاً مزمناً، بحيث يغيب الواحد منهم دهراً، ثم ينطق كفراً، فالسعي خلف المال والشهرة يجعل أمثال عمرو خالد وإبراهيم عيسى يحوّلان الدين مطية. وعمرو خالد بالذات لحق بركب النجمات اللواتي يعانين من انحسار الأضواء، فلا يعدمن وسيلةً، وهي الظهور في إعلانات الصابون والسمن، وتحولن مذيعات يقدّمن برامج الطبخ التي تتابعها ربّات البيوت البسيطات، ويطبخن العدس والفول النابت على مائدة إفطار رمضان.

إعجاب تحميل...