مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

عبدالحفيظ العمري (اليمن)

الزمن لا يهم لدي، لكنه يهم لدى كوكبي لأني على سرعتي الجبارة التي أطير بها سأعود وقد مرت على كوكبي سنوات كثيرة، ولم تمر عليّ سوى عدة شهور. لكن لا يهم، لأن العلماء لدينا يضعوني عند العودة في جهاز خاص.

(1)
لا أدري من أين أبدأ، ولا أعرف ماذا أقول؟ الواقع فوق ما أتصوره أو تتصورونه أنتم. الحقيقة إن هذا ليس واقعا، بل أغرب من الخيال؟ ماذا أقول؟ هل أقول فقدت موطني؟ فقدت ماذا؟
انتبهوا ليس فقدا معنويا أو لفظيا بل حقيقيا، نعم حقيقيا بكل ما للكلمة من معنى.
عفوا، نسيت أن أعرّفكم بنفسي.. أنا زيوس من كوكب فالتون، أو ما كان يسمى كوكب فالتون، لأن هذا الكوكب هو موطني الذي فقدته ذات يوم، لم يعد موجوداً.
(2)
الزمان لا يهم، المهم المكان، كوكبي الحبيب، فالتون.
كان يوما مشرقاً لهذا الكوكب الذي يتوسط المسافة بين المريخ وكوكب المشتري.
اجتمع الأهالي عند منصة الاحتفال، وهي تشاهد الصاروخ الذي سيقلني، أنا الرائد الفضائي، زيوس، في رحلتي الفضائية لاستكشاف خارج المجموعة الشمسية.
لم يزل صدى الهتافات في أذني، وشكلهم وهم يرفعون شعار الوداع وأنا أراقبهم من كوة حجرة القيادة، ولم يدر في خلدي أنها آخر مرة أرى هذه الجموع، وهذا المنظر، وكوكبي الذي بلغت درجة علومه ما لم تتصوّرونه. لقد تم فلق النيوترون عندنا، وأخرجنا طاقة الكوارك الجبارة بشكل يفوق طاقة الأسلحة النووية (التقليدية)، وأصبحت هذه التكنولوجيا شغلنا الشاغل في هذا الكوكب الجميل، وتبدلت السياسات ورجالها بسبب هذه التطورات ما بين معارض وموافق؛ خصوصا بعد اختراع قنبلة الكوارك الرهيبة.
(3)
كنت أحدثكم عن قنبلة الكوارك الرهيبة التي صارت شغلنا الشاغل، والأخطار التي نبّه العلماء إليها في حالة انفجار هذه القنبلة على سطح كوكبي الصغير. لكن رجال السياسة، على الرغم من ذلك، أصروا على الاحتفاظ بها وتطوير إنتاجها.
جابت صواريخنا المجموعة الشمسية، وغطت أغلب الكواكب بما في ذلك الأرض التي زرتها ذات يوم، وكانت الحيوانات الضخمة تسكنها (تسمونها أنتم الديناصورات)، ولم يكن الجنس البشري قد ظهر بعد، أنا الرائد الوحيد الذي زرت الأرض واستطاع أن يجوب عدة نواحي منها.
المهم، طار بي الصاروخ بسرعته الرهيبة وغادرت أجواء كوكبي في طريقي لخارج المجموعة الشمسية.
(4)
الكمبيوترات التي تم صنعها في شكل مصغر لا يرى كأنه ميكروب جعل حجم السفينة أصغر. ومع ذلك، تقوم بالمهام كلها. صور كوكبي أمامي تنقل لي باللحظة من داخل بيتي هناك وكأني معهم؛ فلم أحس أني غادرت المنزل، الصور المجسمة الثلاثية لأعضاء أسرتي في (تلفازي) يبديهم كأنهم أعضاء مسرح بدائي.
الزمن لا يهم لدي، لكنه يهم لدى كوكبي لأني على سرعتي الجبارة التي أطير بها سأعود وقد مرت على كوكبي سنوات كثيرة في حين لم تمر عليّ سوى عدة شهور. لكن لا يهم، لأن العلماء لدينا يضعوني عند العودة في جهاز خاص، يعيدني إلى زمني الطبيعي الذي يتلاءم مع وقت عودتي إلى الكوكب.
(5)
مرت الأيام، وأنا في رحلتي العلمية تلك. يقوم الكمبيوتر بكل شيء تقريبا، وصدرت الأوامر لإطالة الرحلة إلى وقت آخر لظروف البحث في أطراف المجرة. لا يهم كل شيء معي. يمرّ الزمان لدي ببطء، لكنه يتسارع في كوكبي بشكل مخيف، نظرا للسرعة الرهيبة التي أسير بها.
وفجأة حدثت الكارثة! انقطعت الاتصالات مع كوكبي، توقف الإرسال اللحظي هكذا من دون سابق إنذار، حاولت الاتصال لكن من دون جدوى، راداري الذي معي مسح المجموعة الشمسية كلها، فوجدت أمرا مهولا!
لا أثر لكوكبي، مجرد نثار من أحجار تغطى دائرة واسعة، لم أستوعب الأمر في بادئ الأمر، لكن تقرير الكمبيوتر أصدر تقريرا مهولا.
ماذا حدث بالضبط؟ تقارير الرادار الفضائي والكمبيوتر التي ظلت تجمع المعلومات، على الرغم من المسافات الشاسعة خرجت بنتيجة أن الساسة لدينا جربوا قنبلة الكوارك، فمسحت الكوكب، كوكبي الحبيب من الوجود.
(6)
ظلت صور الكارثة على شاشات المركبة، أعيدها مرات عديدة، وأنا أتحسر في جنون، شعرت بالـ..
الحقيقة لم أجد لفظا مناسبا لأعبر عما شعرت به حينها، لكنني وجدت الشعور المناسب بعد ذلك، إنه الضياع، نعم الضياع وحده. مرت شهور، وأنا ومركبتي اليتيمة نجوب في بحار الكون على غير هدى؛ فلم أعد أملك من الوجود إلا هذه المركبة التي أنا على متنها، صارت هي وجودي وكوكبي.
صرت معزولا عن الكون كله؛ لم أتصل بأحد، وبالطبع لم يتصل بي أحد في غربتي الرهيبة.
تقديراتي عبر الشهور التي قضيتها بغير هدى تدل على أن الكارثة التي حصلت لكوكبي قد مرت عليها سنوات طويلة. كم مرة فكرت أن أعود.. لكن إلى أين؟ لم يعد هناك كوكب، بل نثار كوكبٍ في الفضاء اللانهائي كويكبات صغيرة متناثرة في الفضاء، هذا كل ما تبقى من كوكبي.
تنبهت إلى الأرض ذلك الكوكب الأزرق الجميل الذي زرته مرة قبل الكارثة، كان شديد الشبه بكوكبي، أرضه الخضراء وسماؤه الزرقاء جميلة، لم لا أعود إليه، خصوصا أن ظروفه مناسبة جداً. فتوجهت إليه، وطوال رحلة العودة تلك كانت الأسئلة التي تلح عليّ: أي مخلوقات تكون الآن تعيش على الأرض؟ هل ما تزال تلك الضخمة التي شاهدتها قبل كارثة كوكبي؟
(7)
دار كل شيء بسرعة، ووجدت طوافاتٍ تحيط بي في أثناء الهبوط، ثم سارت المجموعة وهي تشير بما فهمته أن أتابعها، ففعلت حتى وصلنا إلى مبنى يشبه المختبر، هناك وجدت البشر أمامي يتكلمون بما لا أفهمه، لكن هذا ما توصلت إليه، بعد مغادرتي مركبتي، وأنا أتوجه إلى داخل ذلك المختبر.
هناك أخضعت لاختبارات وإجراءات عديدة، أما مركبتي فقد رأيت خليطا من العلماء يفحصونها ويتفحصون معدنها بآلاتهم الغريبة.
وأصبح أمر الفحص لي ولمركبتي روتينا يوميا تعوّدت عليه؛ فقد أخضعت لتجارب عديدة، فبدأت التعلم وكانت البداية مع اللغة.
لم يعد يهمني شيء، لأني قد فقدت كوكبي الحبيب (فالتون)، فربما تكون الأرض البديل، خصوصا أن ظروف الأرض أكثر شبها بظروف كوكبي المفقود.
منْ يدري، ربما صرت يوما بشريا ولو هجينا؟

إعجاب تحميل...