أعجب إن أردت أن تعجب، ولكن، لا تهون من جهاد إن صغر!  كم بسمة صعدت للسماوات العلا! وكم دماء ردت في قتال قد كبر!  كم شربة غفرت جبالاً من خطايا! وكم زكاة لا يرى على صاحبها أثر!  حسن قصد؛ يغدو الكلام به جهادًا! وسوء قصد؛ يغدو الجهاد به هباء فانتثر! كم كلمة دكت عروش الظلم فوق طغاته! وكم رقاب في صوامعها ذبحت كالبقر!

تعجب من “جهاد الكيبورد؟!”، ولم العجب؟! أليس الله يعد عملاً بعينه في أيام معلومات كفؤًا لجهاد في سبيله وتضحية بالمال والنفس والولد؟! روى البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما العمل في أيام أفضل من العمل في هذه، قالوا: ولا الجهاد؟! قال: ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء”.

وهذه الأيام هي العشر الأوائل من ذي الحجة. أوليس المصطفى قد أولى الذكر فضلاً عظيمًا على قدر الجهاد وفاض؟! “ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والوَرِق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم، قالوا: بلى، قال: ذكر الله عز وجل.” صححه الألباني. كما روى الطبراني عن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد؛ إلا أن تضرب بسيفك حتى ينقطع، ثم تضرب به حتى ينقطع، ثم تضرب به حتى ينقطع.” هذا قلبك إذن؛ سلاح ماض تجاهد به وتقاتل! ولسانك حده وسنانه!

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما           جعل اللسان على الفؤاد دليلاً

لم العجب؟! أليس الله يكلف كل نفس ما آتاها؟! أليس الله يكلف كل إنسان وسعه وقدر استطاعته فقط؟!  {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة : 286] {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق : 7] أليس الله يعلم ضعف قوتك وقلة حيلتك وهوانك على الناس؟! أليس الله يعد القاعدين عن الجهاد عن عذر يقبله، بنفس أجر المجاهدين المحاربين المقاتلين، وليس لهم ذلك إلا بنياتهم؟! عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأنصَارِيِّ – رَضِيَ الله عَنْهُمَا  قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – فِي غَزَاةٍ فَقَالَ: “إِنَ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالاً مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلاَ كَانُوا مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ”. وَفِي رِوَايَةٍ: “إلاَ شَرِكُوكُمْ فِي الأجْرِ “. رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ – رَضِيَ الله عَنْهُ – قَالَ: رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: “إنَّ أَقْوَامًا خَلْفَنَا بِالمَدِينَةِ مَا سَلَكْنَا شِعْبًا، وَلاَ وَادِيًا إِلاَّ وَهُمْ مَعَنَا، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ”.

لم العجب؟! أليس الله يعد أولئك الذين يتمنون الشهادة مخلصين بتحقيق ذلك لهم وإن ماتوا بين أبنائهم فوق الفرش وعلى الأسرة؟! عن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ” رواه مسلم. وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ” رواه مسلم. ألست تنتحب ساجدًا بين يدي ربك وفي خلوة معه؟! ألست تتحرق شوقًا للقائه؛ شهيدًا يلتحف جسدك كفن يتصبب دمًا أريق في سبيله؟! ألست تعقد العزم وتجدد العهد كل حين أن تكون في مقدمة الصفوف إن قدر لك ذلك؟! أبشر بالشهادة إذن سواء افترشت رمال المعركة حين لقائك ربك أو كنت على الوثير من الفراش!

لم العجب؟! أليس الله ينظر إلى القلوب ويعلم حرقتها ويسمع أناتها ويبصر وحده إخلاصها؟! أليس الله عليمًا بدعواتك في السحر، سميعًا إلى إلحاحك عليه أن ترزقه الشهادة في سبيله، رغم بعد جسدك عن ساحات الجهاد والقتال؟! أليس الله يعطي الأجر على قدر صفاء النية وبراءتها من كل دخن؟!

آمنت إذن بجهادك وقيمته مهما دق وصغر ظاهرًا، إذا ما قارنته بما يقدمه الأبطال في الشوارع والصامدون وراء الأسوار ومن قبلهم الشهداء بدمائهم الطاهرة الزكية؟ تيقنت إذن من عظم دورك وإن هون من شأنه كل من حولك؟ استعظمت مسئوليتك إذن، وعزمت على تحملها؟ استشعرت خطورة القليل الذي تقدمه وخطورة الكسل عنه تحت عبء تثبيط المثبطين؟

خذ وسيلة جهاد إذن نقدمها بين يديك، هي بين يديك ليل نهار، هي لا تفارقك إلا حين تنام، إنها الـ “keyboard” في جوالك! أليست تصحبك في كل زمان ومكان؟! أليست تشغل يديك وعينيك وفكرك ليل نهار؟! ألست تراها وتتعامل معها كما لم تر أو تعامل أحدًا من البشر؟! لم إذن تجهل كيف تجعلها سلاحًا في يديك، تجاهد به الباطل وأهله؟! لم لا ترفع بها كلمة حق في وجه سلطان جائر؟! لم لا ترميها سهمًا في قلب كل خائن عميل؟! لم لا تحملها سيفـًا تدق به كل عنق خضع لغير خالقه وحارب عباده عن فجر وإجرام؟!

هذه خمسة سهام في كنانتك، نهديك إياهم فلا تهملهم، تطلقهم لوحة مفاتيحك بعزم وهمة عالية، استصحب نية القتال حين تلمسهم لتطلق لهم العنان فيشقون الصفوف كالريح نحو الهدف المبتغى المنشود. وليكن لكل سهم اسم تناديه به وتعرفه من بين إخوانه، لا تستغن عن أحدهم فتضعف عدتك وتقل حيلتك، وأتقن رمي كل منهم حتى لا يطير هباء دون صدر خبيث يتلقاه فيهلك، أو دون أن يقع في يد شريفة طاهرة تكمل المسير من بعدك! كلها سهام في ساحات هي أسهل وأيسر مما تتخيل، هي ساحات الـ “facebook” والـ “twitter” والـ “whatsapp” وغيرهم من وسائل التواصل الاجتماعي.

السهم الأول “اكتب”

اكتب “write” أو “tweet”، ألف، ابتكر، اصنع كلماتك التي ترمي بها حصون العدا، ترجم حرقة الدماء في عروقك عبر لمسات أناملك إلى حروف، تجمع بينها لترسم كلمة حق تدحض بها الباطل. صغ على نغمات نبضات قلبك المنتفض عبارات تهدي بها ضالاً، أو تريح بها حائرًا، أو تكشف الغمام بها عن عين غيبت عقل صاحبها الشبهات، أو تذكر ناسيًا، أو توقظ غافلاً، أو تحفز محبطـًا، أو تخط صراطـًا ينتهجه السائرون من ورائك. اكتب وانشر ولا تنس “mention” لمن يهمك أمره. ولا تخجل من طلبات الإضافة “add” أو المتابعة “follow” فإنما أنت بهذا تعرض دعوتك على الناس كما عرضها من هو خير منك على القبائل.

السهم الثاني “أيد”

أيد، ادعم، ساند، كلما قرأت منشورًا هادفـًا أو تغريدة ثورية لرفيق درب اجعل إعجابك “like” بها صدقة، اجعل مشاركتك إياها دعوة، لا تحرم نفسك أجرها، لك مثل هذا الأجر إن أخلصت نيتك وجددتها كل حين. كم من ثائر أو مصلح أحبطته قلة اهتمام الناس برسائله! ارفع همته بإعجاب “like” أو مشاركة “share” أو إعادة تغريد “retweet” أو تعليق “comment” تشجعه فيه حتى يمضي على الدرب بروح وهمة عالية!

السهم الثالث “رمز”

قدم، عرف، أبرز، رمز! قدم كل صاحب قلم شريف إلى من تعرف، عرف كل ثائر حر إلى من حولك، أبرز دور كل مجاهد وانشر سبل جهاده بين من تلقاهم، رمز كل من يستحق أن يعرف بين الناس! كم من شهير معروف الاسم ذائع الصيت بينما مكانه بين السفهاء والرويبضة! وكم من مغمور الاسم مجهول الوجه بينما مكانه بين العلماء العاملين، أو الصالحين المصلحين، أو المثقفين المفكرين، أو المبدعين المنظرين!

السهم الرابع “خذل”

خذل عن كل عرض يتهم زورًا وبهتانًا من قبل كل مريض القلب، خذل عن كل سمعة تشوه من قبل كل كذاب أشر، خذل عن كل صدق تمحوه الأكاذيب والشائعات، خذل عن كل مخلص شريف يتهمه المجرمون بالعمالة والخيانة، خذل عن محارب للظلم بصدره العاري ويديه الفارغتين إلا من إشارة بأصابعه ضد الظلم بينما يرميه المرجفون بالإرهاب! لا تدع لكاذب فرصة في نشر كذبه؛ علق على أكذوبته وفند ضلالها، لا تترك أفاكـًا ينشر إفكه ويبث سموم افتراءاته؛ علق ورد كيده في نحره، خذل ففي تخذيلك نصرة للحق وأهله.

السهم الخامس “بلغ”

اكتب، أيد، رمز، خذل، وإن لم تستطع؛ فبلغ فذلك أضعف جهاد الكيبورد وأدناه، إن “report” هو مفتاح طريقك إلى جهاد يسير دون أن تعرف بنفسك؛ إن كنت تخشى التصريح باسمك! ربما لا تحسن الكتابة أو تخشاها، ربما تتردد في تأييد أو ترميز لمن يستحق خشية أن تلفت الأنظار إليك، ربما ترتجف يداك وترتعدان خيفة قبل تخذيل يثير أعصابك قبل أن يثير الشكوك حول حسابك في الفيسبوك أو التويتر وغيرهما، ربما تخشى على وظيفتك أو ضغوط زملاء عملك أو أقاربك إن كنت ذا نشاط ظاهر، فلا أقل من أن تبلغ عن حسابات الطغاة والظالمين، والكذابين الأفاكين، والفجرة المجرمين، لتخرس ألسنتهم وتقطع يد افترائهم وكذبهم، فتريح البلاد والعباد من إرجافهم.

هذا جهد المقل في إرشادك، مفاتيح معدودات هي أدوات جهادك؛ “اكتب” و”انشر” أو “غرد”، “شارك” و”اعجب” أو “علق”، ولا تغفل عن المرجفين و”بلغ”. واحتسب ذلك في ميزانك “جهاد صاحب العذر!”

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست