جميعنا نقرأ القرآن الذي يعدنا بالدنيا والآخرة، لكن لاحول لنا ولا قوة بين الأمم، فصرنا ككرة القدم نتقلب بين اقدام أعدائنا، ونحن نقرأه على عجل، حتى ظهر منا من يدعي أنه سبب انحطاطنا، ويبرهن بالواقع المر دليلًا! وسبب ذلك يعود –في نظري– إلى أننا تلقيناه بالوراثة، فكانت قراءاتنا له مواسم، كرمضان وفي فترات صباحية وافتتاحية، وهناك من يقرأه، لغرض التبرك، وآخر بقصد الحماية وإخراج الشياطين، وكأنه لم ينزل إلينا إلا لهذه الأسباب فقط، ولا شأن لنا في تدبره وفهم معناه، وجل اهتماماتنا منصبة حول مبناه، وأصبح محفوظًا غير مفهوم، وإن فهم فلا يطبق إلا عند من وفقهم الله لذلك، فصرنا كبني إسرائيل الذين حملوا التوراة، ولم يحملوها، فوصفهم االله بالحمار يحمل أسفارًا؛ فخسرنا منفعته في الدنيا، عكس أسلافنا الأوائل، ولا نضمن أيضًا خسارة آخرتنا، والله المستعان.

نحن الآن في أمس الحاجة إلى الإيمان به بعقولنا، في زمن الفتن؛ فهذا يقتلنا باسم مسيرته القرآنية، وذاك يذبحنا في سبيل تحكيم الشريعة الإسلامية المستمدة من القرآن والسنة، ولكل مرجعياته القديمة، حتى أصبحت مصطلحات، كالسلف الصالح، وآل البيت مطاطية، وشماعة يتعلق بها معظمنا لنيل المنى، والقرآن الذي تقرأه كافة الطواف والفرق الإسلامية مليء بذم اتباع الآباء والأجداد بدون وعي، بل يعد العقل هو الفيصل في مسألة كالإيمان والكفر، وهذا مسلك الصحابة -رضوان الله عليهم- في التصديق، ولا خوف من هذا المسلك العقلاني الصرف، فالقرآن حجة الله في الأرض، ويدعو الناس جميعًا إلى التفكر في آياته، ولقد آمن الصحابة بعد تأكدهم يقينًا وصدقًا بمصدره الإلهي، وما زال إلى يومنا هذا من يؤمن به بعقله، وشتان بين إيمان الاقتناع المبني على التأمل والتفكير، وإيمان الاتباع المتوارث، وسأسرد في هذا المقال وما سيلحقه – بإذن الله- حججًا وبراهين تؤكد صدقية القرآن كما لو أننا قرأناه لأول مرة في حياتنا .

نزل القرآن على قلب محمد، وقد بلغ من عمره الأربعين، وهو من عائلة مرموقة في مكة، تدعى بني هاشم، ومن عادات العرب الافتخار بالأنساب، ومن المتوقع له أن يكون قوميًّا ينتصر لعرقه، لكن القرآن الذي جاء به ساوى بين الناس، وجعل الأفضلية عند الله بالتقوى، ضاربًا عاداتهم عرض الحائط، فلم يفرق بين العربي والأعجمي، ولا الأسود والأبيض، ولا الغني والفقير، مما يدلل على عالميته، وكان محمد يمني نفسه بإسلام سادات قريش: كأبي لهب وأبي جهل، لأن في إسلامهم عزة ومنعة له ولأصحابه المستضعفين، ولقد دفع كلفة مساواته بين الناس باهظًا، فكانت بداية دعوته مثيرة للشفقة والسخرية من قبل معارضيه، كون معظم من آمن معه من الضعفاء والعبيد، كبلال، وعمار بن ياسر وغيرهم، ومن الواضح أنهم حلموا بالحرية على يديه من مجتمعهم الذي سلبهم حقوقهم، وكان خطاب القرآن -فيما يبدو- منفصلًا عنه تمامًا، وهو يأمره عكس المتوقع ويحثه على ملازمتهم والصبر على ذلك، ويقول له: «وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)».

يقول القرآن إن محمدًا ليس أول الأنبياء والرسل، ودينه هو دين آدم ونوح وإبراهيم، ويحث قومه على سؤال أهل الكتاب بشأن نبي آخر الزمان، فيقول مثلًا، والآيات كثيرة في هذا الصدد: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(43)»، وهذا الأمر بلا شك يعزز موقفه أمام مؤيديه قبل معارضيه، ويبرهن على صدقه، فلو كان مدعيًا للرسالة بالفعل، لما غامر هذه المغامرة التي تكذب دعوته على الفور إذا كان حقًّا كاذبًا، وقد صبغ القرآن بأخبار كثيرة عن الكتب السابقة، والتي جعلت الأحبار والرهبان يقبلون عليه، فكان موقف كفار قريش ضعيفًا جدًا في اقتناص دلائل تكذب دعوته، فقد عرفوه فردًا منهم، ولم يكن له ولا لقومه شأن بهذا الأمر، والقرآن بكل ثقة يخاطبه ويخاطب قومه فيقول: «وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ(48)»، «فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ ۚ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(94)»،» وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ(2)».

القارئ البسيط للقرآن يذهل من طريقة الخطاب التي يخاطب بها قراءه، وأنا هنا لست بصدد ذكر الإعجاز اللغوي؛ فقد قيل في هذا ما قيل، وإنما سأتحدث عن انفصال محمد والناس عن النص القرآني؛ فقد وردت، كمثال لفظة (قُلْ) أي يا محمد 332 مرة، فيلاحظ أن القرآن يأمره هو قبل الناس، وهو بدوره يبلغهم، وهذا مثير للإعجاب، ويجعل فرضية ادعاء تأليف القرآن مغامرة ستفضحه عما قريب من خلال السياق، ومع مرور الوقت، لكن هذا لم يحدث أبدًا، ولاحظوا معي في هذه الآيات شمولية الخطاب الذي يثبت انفصال محمد عن القرآن في ياءات النداء، والتي تكررت عشرات المرات :«يَا أَيُّهَا النَّاسُ…»، «يَا بَنِي آدَمَ…»، «يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ…»، «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ…»، ونجده أيضًا يخاطب المؤمنين، والكافرين، والأنبياء، والمرسلين، والمنافقين، والمشركين، وحتى الدهريين، وهناك عشرات الآيات موجهه للناس ككل تؤكد عدم تقول محمد عن الله، بل تنبئه بمصيره في حال تقوله على الله: «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ(46)»، وهذه دعوة أخرى للتفكير الحر في صدقية الوحي بعيدًا عن آراء الأغلبية التي قد تشوش على العوام :«قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ(46)».

يتسم النص القرآني بالثقة المطلقة في الطرح، فمن الواضح أن كاتبه قرأ الدنيا والآخرة وجاء يحكي لنا قصة المستقبل القريب والبعيد وكأنها حدثت بالفعل؛ فنجده يقول بكل ثقة لبعض المشركين الذين أقيمت عليهم الحجة: «وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ(111)»، ويحكم على أفراد بالكفر مثل أبي لهب مثلًا، وهو ما زال على قيد الحياة فيقول»:تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿١﴾ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴿٢﴾ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴿٣﴾»، وإذا افترضنا أن أبا لهب آمن فيما بعد؛ فسيسقط حينها محمد سقوطًا مدويًّا في عيون أصحابه قبل أعدائه، لكنه لم يفعل ذلك؛ لأن الكاتب -كما يبدو- قد قرأ مستقبله بالفعل، ونجده أيضًا يحكم على آخرين بالإيمان والنفاق دون اكتراث بتغيير مواقفهم في المستقبل، والقرآن أيضا مليء بآيات تخاطب محمدًا بألا يرهق نفسه فيمن سبق عليهم القول فيقول: «فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا(6)»، «إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(56)»، وهذه بعض الآيات التي تتكلم عن المستقبل بضمير الماضي: «وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا»، «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ»، «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ».

من عادة الكهان الذين كان لهم شأن في ذلك الزمان، توظيف الظواهر الكونية واستغلالها لخدمة مصالحهم، وقد حدث في زمن محمد كسوف للشمس في يوم صادف وفاة طفل محمد، إبراهيم، فربط الناس كعادتهم الكسوف بالوفاة، لكنه رفض هذا، فقام يخطب بالناس ويوعظهم بأن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، ولا علاقة لهما بولادة أحدهم أو موته، وهذه حجة دامغة تفحم من نسب إليه الكهانة، ولو ربطوا ظاهرتي الخسوف والكسوف بالوفاة لوقع المسلمون اليوم في ورطة كبيرة، فأين سيذهبون وهي ظاهرة اعتيادية توجد في بلايين الكواكب بشكل دوري، حسب منظور علماء الفلك، ولكن القرآن يقول عن نفسه: «قُلْ أَنـزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ»، والغريب في الأمر أن القرآن يقول لمحمد «إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ»؛ أي لن يبقى له عقب من الأولاد، ويقول أيضًا: «مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا» مع العلم أنه متزوج من عدة نساء، فكيف له يحكم على مستقبله مسبقًا!

يتبع.