5e437ec6-e7f8-4562-b2af-b24a2932cda8.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

معن البياري

وصفت تعليقاتٌ صحافية عربية برنارد لويس بأنه “آخر المستشرقين الكبار”. ولكن، هل من وظيفة الاستشراق أن يسأل: لماذا يكرهوننا؟ وإذا سأل، بماذا يجيب؟ هو سؤالٌ طرحته دوائر استخبارية وعسكرية وسياسية أميركية معلومة، وأجابت عليه بالقذائف والاحتلال والغزو، وبشغفٍ أكثر بإسرائيل.

انشغل برنارد لويس كثيرا بنا، نحن المسلمين، العرب، الشرق الأوسطيين، الشرقيين. مات الأسبوع الجاري عن أكثر من مائة عام بعام وشهور، أمضى أزيد من ثلثيها وهو يتعلم العربية والتركية والفارسية، ويفتش في المحفوظات العثمانية، ويدرسُنا، ويؤلف أكثر من ثلاثين كتابا عنا، عدا عن مقالاتٍ ومحاضراتٍ بلا عدد. كان المستشرق الأنشط في تشريحنا، إسلاما ومسلمين، شرقا وشرقيين، في المائة عام المنقضية. وإذ استحق صفته مؤرخا وأكاديميا وباحثا وأستاذا جامعيا، سيما في مرحلة عتيقة، فإنه أيضا كان صاحب تأثير مهم، في غير محطةٍ وموقعة، على صنّاع القرار في الولايات المتحدة، في ما يخصّ الشرق الأوسط والعرب والمسلمين. وبعد مرحلةٍ أولى، اتّصفت بها دراساتُه بمقادير عاليةٍ من الموثوقية العلمية، منذ أطروحته للدكتوراه عن “الإسماعيلية”، والتي وصفها المؤرخ العراقي سيّار الجميل بأنها من أفضل ما كُتب في موضوعها، انعطف ليصير كاتبا منحازا، مؤدلجا، وذا نزوع عنصري ظاهر، يمارس فوقيةً على العرب والمسلمين، معتزا بإسرائيل التي كان قد اعتبرها “وطنه الحقيقي”، وأوصى بمكتبته، بعد وفاته، أن تؤول إلى مركز موشيه دايان. ونشط في تقديم استشاراته لإدارة الرئيس جورج بوش الابن، وللمتطرّفين اليمينيين، بشأن العراق والشرق الأوسط عموما، سيما بعد أحداث “11 سبتمبر”. وإلى اتصالاته وصداقاته ولقاءاته مع أبا إيبان وغولدا مائير ودايان وهنري كيسنجر، في أزمنةٍ مضت، هذا وزير الخارجية الأميركي الراهن، مايك بومبيو، والذي كان مديرا للمخابرات المركزية، ينعاه، ويعلن إنه يدين لهذا “الرجل العظيم” بفضلٍ كبير في فهمه الشرق الأوسط (!). 

مات برنارد لويس، البريطاني الذي آثر الولايات المتحدة الأميركية مقاما للعمل والحضور، لكن إرثه الاستشراقي، المتنوّع المنعطفات والموضوعات، باقٍ في تأثيره النافذ في الأكاديميات ومراكز البحث الغربية، الأميركية خصوصا، وعلى الميديا المسكونة بالعداء للعرب والمسلمين. .. تقع لديه على عباراتٍ تثني على الإسلام الذي “ألهم حضارة عظيمة عاش فيها المسلمون وغيرهم حياة خلاقة”، غير أنه يمضي، وبهمّة واظب عليها طويلا، في ردّ “الإرهاب الإسلامي” إلى مصادر في الإسلام الذي نشط في “التنظير” لكراهيته، وفي التأشير إلى ما اعتبرها أصولا في الإسلام للعنف، وإلى مقت المسلمين الحضارة الغربية. ومن مأثوراته أنه ردّ “جهادية” أسامة بن لادن إلى طرد عمر بن الخطاب يهود خيبر ومسيحيي نجران من الجزيرة العربية. تخصص في تركيا، وله عنها أربعة كتب، أحدها رائع (بحسب سيّار الجميل) عن إسطنبول، وامتدح، في سنوات ماضية، ديمقراطية العسكر فيها، ونفى إبادة الأرمن على أيدي الأتراك، غير أنه عارض انضمام هذا البلد إلى الاتحاد الأوروبي، خشيةً من الإسلام على أوروبا (!).
سبق صموئيل هنتنغتون في ابتداع مفهوم “صدام الحضارات”، وتنازل كثيرا عن المواضعات العلمية في التأريخ ودرْس الحضارات والثقافات والأمم والشعوب، وآثر انحيازاتِه وأحكامه القاطعة وتعميماته المسترسلة، ليس فقط في مقالاته وكتبه الأخيرة خصوصا، ومنها “أزمة الإسلام” و”الخطأ الذي حصل.. الصدام بين الإسلام والحداثة في الشرق الأوسط”، وإنما أيضا في استشاراته التي كانت موضع تقديرٍ كبيرٍ في وزارة الدفاع الأميركية والبيت الأبيض. وإذ نفى أن يكون قد “نصح” إدارة بوش الابن بغزو العراق واحتلاله، فذلك لا يغيّب أن المنطق الذي كان يحكم “مشوراته” و”تنظيراته” كان له فعلُه في الدفع بذلك القرار الأخرق. ولمن يتوسّل استزادةً شارحةً وأكثر تفصيلا بشأن مجهود برنارد لويس عموما، فإن كتاب فخري صالح “كراهية الإسلام.. كيف يصوّر الاستشراق الجديد العرب والمسلمين” (الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2016) يتوفر على إضاءاتٍ كاشفةٍ على ما أطنب فيه هذا الرجل، وهو يشرّح شعورنا، نحن المسلمين، بأننا متخلفون وفقراء وأذلاء، ولذلك نكره الغرب، كما أن مركّب الشعور بالنقص هذا لدينا تجاه الغرب يقيم في أساس حرب “الإسلام المتطرّف” ضد العالم الغربي.
وصفت تعليقاتٌ صحافية عربية برنارد لويس، بعد وفاته، بأنه “آخر المستشرقين الكبار”. ولكن، هل من وظيفة الاستشراق أن يسأل: لماذا يكرهوننا؟ وإذا سأل، بماذا يجيب؟ هو سؤالٌ طرحته أيضا دوائر استخباريةٌ وعسكريةٌ وسياسيةٌ أميركيةٌ معلومة، وأجابت عليه بالقذائف والاحتلال والغزو، وبشغفٍ أكثر بإسرائيل…

إعجاب تحميل...