قال أحد رؤساء الاتحاد العام للمقاولين المغاربة السابقين إن السبب وراء المقاطعة شعور الناس بأنهم قادرون على الضغط، ولا بد لهم من مهاجمة الناس الذين يقال إنهم أقوياء، أو قريبون من السلطة، فإذا هم هاجموا شركات عادية لن يكون أثر.

لم يسبق أن كان لتوصيف مجازي الوقع السياسي الذي حدث مع نعت مداويخ (مساطيل) الذي أطلقه وزير المالية، محمد بوسعيد، على مقاطعة مغاربة ثلاث شركات كبرى، أكثر من ثلاثة أسابيع، في حملة لتخفيض الأسعار، كل شيء يدل على أنها كانت وما زالت ناجحة.
قرّر النشطاء من كل الضفاف مقاطعة ثلاثة منتجات، ضمن حملة غير مسبوقة في بلاد المغرب الأقصى، اللهم دعوات مقاطعة منتوجات فرنسية إبّان الاستعمار، أو دعوات مقاطعة المنتوجات الأميركية أو الإسرائيلية في درجة ثانية، وهي الحملة التي استهدفت شركة سنطرال للحليب، المغربية الفرنسية التي تبلغ حصتها من السوق 60%، وشركة سيدي علي للمياه المعدنية التي تسيطر على ثلثي السوق، وشركة أفريقيا لتوزيع المحروقات التابعة لمجموعة أكوا، لصاحبها عزيز أخنوش الذي يشغل، في الوقت نفسه، منصب وزير الفلاحة والصيد البحري.
كلمة مداويخ، اعتبرها التمرين اللغوي للقيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، الحزب المركزي في الحكومة التي يقودها حزب العدالة والتنمية، بمثابة كلمة السر للكشف عن الذين يقفون وراء المقاطعة، في ما يبدو، فهي كلمة سبق أن استعملها رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران، في حق أتباعه، عندما قاموا بحملة هجومية شرسة على الوزير عزيز أخنوش، في وقت سابق من ولايتيه، وأراد منها تخفيف الوقع الذي كان لهذه الحملة على وزير حليف. والعودة إلى اللفظة ذاتها أراد منها صاحبها التذكير بالحملة السابقة، والتي مسّت الوزير وحده وألّبت عليه المغاربة، ثم التذكير بأن النشطاء فيها هم شبيبة الحزب الحاكم مع الوزير.
وقد توالت التوصيفات والمواقف المحرجة. وبعد أن اتخذت المقاطعة أبعادا غير مسبوقة، أصبح الرد الحكومي مفروضا. وهكذا خرج الوزير المكلف بالحكامة لحسن الداودي، القيادي المعروف في “العدالة والتنمية”، لكي يحذر من مغبة السقوط في تنفير المستثمرين، ولا سيما في شركة سنطرال، من مغادرة المغرب، ثم موقف المجلس الحكومي، والناطق الرسمي باسمه مصطفى الخلفي، والذي لم يجتهد كثيرا في اختيار البلاغة، لكي يطمئن المقاطعين، فكانت عباراته تهديدا لكل من يواصل الدعوة إلى المقاطعة، عبر تهديد من ينشر الأخبار الزائفة. والواضح أن الوزراء في الحزب الأول وجدوا أنفسهم في موقع الدفاع عن حليفهم “الوطني للأحرار”، في ما يشبه اقتسام اللاشعبية أو الغضب الشعبي.
وهناك بالفعل نوع من المنافسة الشريفة ضمن التعاون الحكومي في من ينال أكبر قدر ممكن من الهجوم، غير أن الوضع كشف ثلاث مشكلات كبرى في البلاد:
“النظام السياسي لا يعدم مؤسسات قوية، ودستوريا عالية الجودة، لكن ممارسة السلطة من خلالها ­سلطة التحكيم أو المراقبة والضبط للأسعار­ لم تكن في المستوى المطلوب”

أولا، تأزيم المؤسسات الكفيلة بالضبط الاقتصادي، وتخفيف تأثيرات تحرير أسعار المحروقات على عموم المغاربة، أحد أهم الشعارات في المقاطعة. والواضح أن النظام السياسي لا يعدم مؤسسات قوية، ودستوريا عالية الجودة، لكن ممارسة السلطة من خلالها ­سلطة التحكيم أو المراقبة والضبط للأسعار­ لم تكن في المستوى المطلوب، بل إن تعطيل مجلس المنافسة، المكلف بهذا، يعيش سنته الثالثة على التوالي، ولم تبذل الجهات الحكومية أدنى مجهودٍ، لتجاوز العطب الذي يعيشه بسبب “لوبيات” ذكرها رئيس لجنة التحقيق والاستطلاع التي تشكلت لهذا الغرض، وهو قيادي في “العدالة والتنمية”. ويعاب على رئيس الحكومة أنه صامت، ولا يريد أن يتحرك، ولو بالحد الأدنى في مواجهة اللوبيات إياها، وقد اكتفى بلغة دينية عاطفية، تقول إن حل المعضلة يتم بالحب المغربي المتبادل.
ثانيا، تم وضع سؤال المال والسياسة في صلب التحولات التي يجب أن يعرفها نظام الحكامة، حيث إن الجهات التي استهدفتها المقاطعة، بهذا القدر أو ذاك، لا تخلو يومياتها من نشاط سياسي، مع كون الحكومة، في شخص كبار مكوناتها، لم تتحرّك إلا ضمن الانحياز إلى الشركات من جهة، أو في التفاعل مع متطلباتها من جهة ثانية، في حين تم “تبخيس” دعوات المقاطعة، على الرغم من قوتها الواضحة.
ولقد كان أحد رؤساء الاتحاد العام للمقاولين المغاربة السابقين، حسن الشامي، بليغا في تفسير المقاطعة، من زاوية القوة المالية، حين قال إن السبب وراء المقاطعة هو شعور الناس بأنهم قادرون على الضغط، ولا بد لهم من مهاجمة الناس الذين يقال إنهم أقوياء، أو قريبون من السلطة، فإذا هم هاجموا شركات عادية لن يكون هناك أثر.
ثالثا، وجود تفكك عملي للائتلاف الحكومي، لم تستطع الأغلبية تلافيه، بالاعتماد على قراءة مشتركة لهذه الأغلبية، لما يتفاعل في الباطن المجتمعي. وكان واضحا أن الحكومة تقف في وضع التأرجح بين البقاء مكونا موحدا، مهما كلف ذلك، والتجاوب مع حركيةٍ ساهمت فيها وسائل التواصل الاجتماعي، ومن الصعب التحكم في مخرجاتها بالاتفاق بين الأطراف المكونة للحكومة، أو النقابات أو جمعيات المستهلكين. وهو ما يبين أن جزءا غير يسير من السياسة أصبح يصنع حيث لا توجد السياسة التقليدية. بمعنى آخر، السياسة تصنع خارج الحقل السياسي المعتاد، ما زاد من تعقد الإشكال وارتفاع التشابك بين الفاعلين المجتمعيين.
وقد اختارت القوى الفاعلة في الحكومة، في ما يبدو، التعامل مع الوضع بالإقرار النفسي والأخلاقي بالخطأ، اقتسام الشعور بالذنب صيغة للهزيمة السياسية المشتركة، وهو أمر لا يشاطرها فيه فاعلون كثيرون، ومنهم شركاء سياسيون، يدعون إلى تفعيل المسؤولية المشتركة في القرار، وتفعيل المؤسسات المعطلة بفعل ممارسة السلطة، وليس بغياب المؤسسات القمينة بلعب أدوارها.