لا يمكن النظر إلى التجربة الماليزية أو ما يحلو للبعض تسميتها بتجربة مهاتير محمد على ما فيه ذلك من اختزال لجذور التجربة التي تعود إلى ما بعد الاستقلال الوطني لماليزيا عن الإمبراطورية البريطانية، ولكن دور مهاتير محمد في تلك التجربة يتميز بأنه تجاوز التنمية الاقتصادية إلى جانب آخر تفتقر إليه التجارب المختلفة التي مرت على الوطن العربي ومنطقة الشرق الأوسط، وهو الارتكاز على الاستقرار الاجتماعي من أجل النهوض.

المالاي، الأغلبية الأقلية:

تتميز ماليزيا بمقدرات اقتصادية شديدة التنوع خاصة في المعادن والمواد الخام، ولكنها أيضًا تتميز بتنوع ثقافي وعرقي وديني ربما ينظر إليه في وطننا العربي ومنطقة الشرق الأوسط عبر عقود على أنه عامل من عوامل عدم الاستقرار، إلا أن فلسفة ماهتير محمد كان مختلفة إلى حد كبير.

بالنظر إلى تاريخ ماليزيا، فإنها كانت تمثل قطاعًا كبيرًا من اقتصاد المستعمرات البريطانية، حيث كانت تساهم بقدر يصل إلى 46% من إجمالي اقتصاد المستعمرات البريطانية، وبالنظر إلى محورية ماليزيا في اقتصاد الاستعمار البريطاني كان التركيز في الحكومة البريطانية المركزية على تهيئة الأجواء المناسبة للاستفادة القصوى من ماليزيا.

تمثل ذلك التركيز في عدة أمور كان من أخطرها السعي البريطاني لتغيير التركيبة الديموغرافية باستقدام أقليات صينية “تمثل الآن 25% من الشعب الماليزي” وهندية “تمثل الآن 8%” وكذلك عدة أقليات أخرى، بجانب المالاي “السكان الأصليين للبلاد” بنسبة الثلثين.

وبالرغم من كون أغلبية المالاي تمثل ثلثي المجتمع الماليزي إلا أنها عانت تهميشًا شديدًا إبان الاستعمار وحتى بعد الاستقلال نظرًا لأن أفرادها كانوا غير مؤهلين بالمقارنة بالصينيين المسيطرين على الاقتصاد وكذلك الهنود الأكثر تأهيلًا وتعليمًا.

دفع ذلك ماهتير ـ الذي بدأ حياته السياسية بالانضمام إلى حركة “أمنو” المدافعة عن حقوق المالاي ـ إلى السؤال عن كيفية إحداث تنمية حقيقية لماليزيا مع تهميش الأغلبية، خاصة أنه في عام 1969 بدأت احتجاجات المالاي تتصاعد نتيجة سياسات التهميش، وجاء ذلك متواكبًا مع تنبه ماهتير لمشكلة المالاي في كتابه الشهير “معضلة المالاي” الذي كتبه أثناء كان عضوًا بالبرلمان، ومن هنا بدأت فكرة “التمييز الإيجابي” للمالاي في التشكل في عقلية وفلسفة ماهتير في التنمية.

المالاي والتمييز الإيجابي:

وترتكز فلسفة التمييز الإيجابي للمالاي على تحديد نسب من الوظائف بشكل عام خاصة الحكومية منها للمالاي لمعادلة الاحتكار الصيني الهندي للحياة الاقتصادية والوظائف العامة، ولكن هذه السياسة اصطدمت بعقبات كثيرة، من أهمها أن المالاي في أغلبيتهم دون مستوى التعليم والتأهيل الكافي لشغل تلك الوظائف، ومن هنا كان ارتكاز ماهتير ـ ربما ساهمت خلفيته الأكايديمية التعليمية  في ذلك ـ على التعليم كركيزة للتنمية.

ولكنها كانت تنتطوي على طوق النجاة من القلاقل الاجتماعية التي يثيرها المالاي المهمشين، فخلق لدى جيل كبير من المالاي بابًا مفتوحًا لتحقيق طموحاتهم في المشاركة الفاعلة في عالم الأعمال والوظائف المختلفة، ومن ثم تحويل المالاي من أكثرية ثائرة في الخفاء مرات ومتفجرة في العلن مرات أخرى إلى طاقة كبيرة تحتاج أن تثبت نفسها في الحياة العامة وعالم الأعمال.

الاستقرار الاجتماعي، الغائب عن المشهد:

لعل من أهم مميزات سياسة التمييز الإيجابي للمالاي هو تحقيق الاستقرار الاجتماعي الذي كانت ماليزيا تفتقده ومن ثم قطع الطريق بصورة كبيرة على استغلال تهميش تلك الأكثرية وغضبها في النفاذ إلى وحدة المجتمع الماليزي وضرب استقلاله في مقتل.

ربما هذا النمط من التعامل مع القلاقل الاجتماعية نمط لابد من دراسته وتحليله بعمق، كون التعاملات الأمنية وحدها لا تكفي، ولكن لابد من حلول جذرية تأخذ طابعًا اجتماعيًا، يجعل من أسباب القلاقل عوامل مؤثرة في بناء الاستقرار، ومن ثم حالة من الاصطفاف الوطني الحقيقي حول مشاريع تنقل الشعوب والمجتمعات، وليس حالة من الاستقطاب “الوطني” التي تعاني منها دول كثيرة في الشرق الأوسط لاسيما دول الربيع العربي مما جعل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية تبدو للمتتبع للخط الزمني أسوأ فيما بعد الربيع العربي عما كانت قبله.

ماهتير، الفلسفة وليست الممارسات:

ولكن الوضع ليس على هذا النحو، فسياسة التمييز الإيجابي بدأت تتحول من عامل استقرار إلى عامل لفرض هيمنة المالاي على الأقليات الأخرى، أو حالة من تصفية حسابات الماضي، وهذا يدفعنا إلى التأكيد على أنه حال الحديث عن سياسة التمييز الإيجابي فإننا لا نتحدث عن الممارسات بقدر الحديث عن فلسفة البحث عن حلول خارج الصندوق لبناء حالة من الاستقرار الاجتماعي والاصطفاف الوطني الحقيقي، إذ أن تلك السياسة بدأت تفقد معناها أو تأتي بنتائج عكسية حين افتقدت الفسلفة التي بنيت عليها، وهي فلسفة استقرار الأنساق الاجتماعية لأي مجتمع يبحث عن نهوض حقيقي.

وفي النهاية فإن التحرك في سبيل النهوض بالارتكاز على البعد الاقتصادي أو السياسي أو الأمني فقط لن يؤتي نتاجًا حقيقيًا؛ لأن حالة الدول العربية خاصة دول الربيع العربي تفصح بلا شك عن انقسام مجتمعي شديد، وصدع عميق في تماسك المجتمعات، قادر على ابتلاع أية محاولات قيمة للنهوض، ولذا لن تجدي المؤشرات الاقتصادية المرتفعة أو النجاحات الوقتية أو المشاريع القومية في إحداث نهوض حقيقي؛ لأن أساس كل ذلك الفرد الواعي في المجتمع المتماسك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست