لأن الله غيب والملائكة وأنباء الأولين، انتشرت أوبئة الإلحاد، وتفشت حشراته تلسع جلد العقل النائم، وراجت بضاعته في أسواق الحمقى، وكلما تقدم العلم كثرت الأسئلة، وكثرت حجة التوحيد معها، ولكن أين ذوو الألباب؟ حسنا، إن موضوع الإلحاد بطبعه لا يكفيه مقال، بل كتب، ولكني سأناقش سؤالًا واحدًا وسأترك عنان الحديث للملحد، ولنرى برهانه وحججه العلمية كما يدعي، لأن الباطل باطل في كل شيء، وبالتالي قاعدته باطلة، ومن ثم سينهار.

إذا سألت ملحدًا عن قضية الوجود، سيرد مبتسمًا ويقول في سلاسة: «ليس الله من خلقنا يا هذا، بل نحن من خلقنا فكرة الإله؛ لأننا ضعاف نعاني الظلم، المسألة معكوسة عندكم».

أولًا: الإنسان ضعيف في حالة وجود إله أقوى منه، وهو كذلك ضعيف في حالة عدم وجوده، فإنه سيكون ضعيفًا أمام قوى الكون والطبيعة، فهذا الرد ما هو إلا تحصيل حاصل. لكن سأدعك تكمل، إذا كنا نحن من خلقنا فكرة الله، فسنعود مرة أخرى للنقطة نفسها، وسيظل السؤال ملحًا يطرح نفسه: «إذا كنا نحن الذين خلقنا الله، فمن الذي خلقنا إذن؟»

عندها يبتسم الملحد في صفاقة، ويرخي فرويد رأسه ويقول نافثًا دخان سيجاره: «السر في التطور يا هذا، التطور في المادة الذي حدث عبر ملايين السنين! أنت لست عالمًا مثلنا، إنكم مغيبون، نحن عباقرة أثبتنا أن الله غير موجود».

حسنًا، إذا كان السر في التطور، فإن هناك سؤالًا آخر يطرح نفسه: «إذا كنا قد خلقنا من مادة، فمن الذي خلق المادة؟».

هنا يبدأ الهروب العلمي لدى الملحد، وهو محاولة تفسير العقدة إما بشيء أدنى وأدنى ثم أدنى، يعتقد أنه يجيبك، ولكنه في الحقيقة يهرب منك، ويبدأ في التجزيء كما فعل سابقًا، سيقول وهو ينظر في أوراقه: «اسمع يا هذا! إن كل ما في الوجود مادة من مادة»، فنرد بالتسلسل نفسه: «ومم تتكون المادة؟» فيرد: «هي أشياء تتركب من أجهزة، والأجهزة من أعضاء، والأعضاء من خلايا، والخلايا وحدتها الجزيئات، والجزيئات من ذرات، والذرات من دقائق دون ذرية، والدقائق الدون ذرية من دقائق أقل، وأقل ما وصل إليه العلم هو وحدة الكوارك».

لن أسأله عن تفسيره للمعنى والإدراك، دعنا من هذا، إذ إننا اتفقنا على مجاراته في الحديث، وهو الآن نصب لنفسه حفرة عميقة، واحترامه لعقله وهروبه ذاك سيجبره رغمًا عن أنفه أن يصل إلى الله تبارك وتعالى، حسنًا نعود إلى إجابته، إذا كان التطور هو ما حصل، فلماذا لم يصل الكون إلى ذروة التطور وذروة الكمال؟ لكان الإنسان كاملًا كذلك، لا يمرض، لا يموت، لا يعجز، لا يقتل، لا يحسد، إنه كامل، حسنًا، قال إن الكوارك أصغر وحدة توصلوا إليها، لقد رد كل مرحلة إلى المرحلة الأقل منها، بالكيفية نفسها فمم يتكون الكوارك؟

على أي شيء يستند الكوارك الذي يسند المادة التي نحن منها؟ سيصمت فهو معتاد على جداله في أول فكرة يتبناها، لن يجد الحل، ببساطة لأنه في القرآن الكريم، يا الله إعجاز بمعنى الكلمة، قال تعالى «ألا إلى الله تصير الأمور»، و«إليه يرجع الأمر كله»، رغمًا عن أنفك يا ملحد، لقد أعطاك الله عقلًا ليدلك إليه، من المستحيل أن يقودك عقلك إن احترمته لغير الله، بطريقته تلك في الهروب والنزول من مستوى إلى مستوى دونه سيرجع مكبلًا إلى شيء، هذا الشيء اختلفت في تسميته، اتضح أن الموحدين أذكى منك وسموه بـ«الله»، وجعلوه ذاتًا واحدًا أحدًا، ليس عاقلًا أو واعيًّا أو محبًا، بل هو خالق العقل والوعي والحب ومصدر السمع والبصر وكل شيء، كل شيء هالك إلا هو سبحانه وتعالى.

هناك أسئلة تغيظ الملحدين غيظًا، ولكني لم أرد سوى مجاراتهم لنرى أنهم لن يصلوا إلا إلى الله، إن أمثال هؤلاء لا يحترمون عقلهم كما يدعون، إن أمثالهم مستكبرون قبل أي شيء، هؤلاء هم من ختم الله تعالى على قلوبهم، أي إنها لن تعود كسابق عهدها تتلقى تنبيهًا من الخارج، فهي أرادت التقوقع في صدفة التكبر والإلحاد، وسيتوقف عقله عن الفهم، وسيظل في كفره حتى آخر لحظة، إلا ما أراد الله، ويعتقد نفسه إعصار علم أو دوامة، حتى يفاجأ ويصدم في النهاية بيوم القيامة، وعندها يقول الكافر يا ليتني كنت ترابًا.