ها هو رمضان بدأ، وشرع عِقده في الانفراط وما هي إلا ليالٍ معدودات حتى ينقضي، تمامًا ككل الرمضانات السابقة التي جاءت وانقضت ولم نظفر فيها بشيء سوى بعض مظاهر الاحتفال المتمثلة في بضعة أكلات ومشروبات خاصة بالشهر، وهذه النتيجة المتكررة تنذر بخللٍ ما حاصل يجعلنا لا نتأثر بالشهر ولا نتغير فيه.

هل ينقصنا العلم وإدراك قيمة هذا الشهر؟ أم هل تنقصنا العزيمة للارتقاء للمستوى الملائم له؟ أم أننا ألِفنا حياتنا العادية إلفًا يصعب علينا تغييره؟ أم أن مجتمعاتنا أصبحت تعين على المعصية أكثر من إعانتها على الطاعة؟ أم هناك أسباب أخرى؟

عدم التأثر والتغير برمضان أمر عجيب ومحير ومحاولة استساغته أو تبريره هو نوع من التدليس المضلل، والاستسلام له نوع من اليأس الذي يود الشيطان لو ظفر منا به.

رمضان هو دورة تدريبية مكثفة لمدة 30 يومًا فيها أعمال تميزها عن باقي أيام العام، هذه الأعمال المتمثلة في الصوم طيلة النهار كفريضة لا تسقط إلا على المعذور، والقيام جزءًا من الليل، سواء بالتراويح في المساجد أو منفردًا في البيت، وتعهد المصحف بالتلاوة، هذه الأعمال تمثل في صورتها الخضوع لأوامر الله، والامتثال له، فتحيي معنى العبودية الذي هو المراد الأوحد من الله لعباده، وتقوي صلة العبد بربه الودود الرحيم اللطيف؛ فيرجع هذا على العبد جبرًا لكسوره، وسكينةً في قلبه، واستبشارًا بقادم أيامه، كما أن هذه الأعمال تستحث العزائم، وتنبئ الإنسان بمكامن قواه التي غفل عنها فيرجع بعد قضائه يومًا رمضانيا يخبر نفسه بأن بإمكانه مجابهة شهوات نفسه من الطعام والشراب والجنس وتحجيمها طيلة النهار لعدة أيام متوالية، وأن بإمكانه أن يصلي ضعف عدد صلواته المعتادة يوميًا، وأن بإمكانه أن يصون جوارحه عما يغضب الله، وهو الذي كان يظن نفسه أضعف من أن يرفض طلب الشهوة إذا جاءه.

هكذا رمضان يأتي ليخبرك أنّك اقوى مما تظن وأقدر مما تتوهم، وأن كثيرًا من مستحيلاتك هي نتاج سوء تقديرك، وليست حقيقة بالأساس، فيحفزك هذا على قهر كل ضعف ينتابك في مجالات حياتك المتنوعة، ويعيد إليك قوتك النفسية التي تطرد يأسك وبؤسك.

ثم يجد المسلم نفسه في شهر لو تسمى بغير اسمه لكان شهر القرآن؛ لأن فيه القرآن أُنزل وأجواؤه المشحونة بإيمانيات الصيام والقيام هي خير مهييء لاستقبال القرآن وتدبر معانيه وتفهُم مقاصده والاتعاظ بنُذره، فيُقبل على القرآن إقبال الظامئ الوارد على وِرده يشرب وينتهل ما يحيي قلبه بعد أن قارب على الموت فيحييه الله بالقرآن، بل يجعله له نورًا يهتدي به، أوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فأحْيَيناه وجعلنا له نُورًا.

بيد أنّا نرى الماء ونؤخذ بجماله ونتغنى بروعة خريره ونُفتن بنقائه، ولكنّا نبخل على أنفسنا أن تمتد أيادينا لتغترف منه ما يروي ظمأنا ويحيي مواتنا، فهل في الناس أحمقُ ممن مات عطشًا على ضِفة النهر؟!

إن بعض النفوس ألِفت الشر واعتادته حتى أنها أصبحت تستكره الخير والهدى، وانتكست فطرتها وتغلفت قلوبها بالقرآن، فحتى هؤلاء محل رجاء أن يأتي رمضان ببرنامجه الواضح الميسور فيستعيدهم إلى جنة القرب من الله والأنس بطاعته، ولا يهلك على الله إلا هالك ينفر من كل عطاءات الله ونفحاته له.

وأهم ما في رمضان أنه ثورة على كل اعتياد تألفه، فهو منظومة متكاملة تؤهلك لتحسين وإتقان أعمالك الصالحة التي تصبح قيمتها في رمضان 70 ضعفًا لقيمتها فيما سواه، وتؤهلك على ترك بعض المباح بما ينبهك على ترك كل المحرمات واستعادة القدرة على التعايش بدونها، وفي رأيي أن رمضان الذي يمر عليك دون أن يكسر بعضًا من أصنامك التي اعتدت الخضوع لها والاستسلام لها كعادة مستحكمة فهو رمضان ضعيف التأثير إن لم ينعدم بالأساس.