عندما يصل نضج الشعوب إلى مستوى معين تتغير تلقائيًّا سلوكياتها، ويتفجر إبداعها في صياغة مواقفها، ويتعمق إيمانها بقدرتها على تغيير وضعها. والنموذج هذا يظهر منذ أيام في حراك الشعب المغربي الجديد ضد غلاء منتجات بعينها. الشعب الذي أبدع سنة 1975 عندما قاد مسيرة سلمية على الأقدام جيشها 350 ألف مغربي مؤمن بوحدة أراضيه، سلاحه القرآن والعلم الوطني، فأخرج المستعمر الإسباني من أراضيه الجنوبية، يبدع اليوم بالشكل نفسه في صيغة احتجاجات روحها غاندية، وهو يقاطع منتجات شركات يرى أن جشعها في سن الأسعار بات غير مقبول.

القصة بسيطة وجمالها في كونها ملهمة للشعوب العربية كافة، ومنتجة للأمل لكل من بات يؤمن أن إرادة الشعوب ليست بين أيديها. ليس المهم كيف انطلقت المبادرة، ولا من يقف خلفها، بقدر ما يهم شكلها، وما تخلفه من نتائج. دعوات لمقاطعة بعض المنتجات ارتفعت منذ أشهر، ثم تبلورت فكرتها الجديدة باختيار ثلاثة منتجات فقط يتم التركيز على مقاطعتها. أولها منتج حليب، وثانيها مياه معدنية، وثالثها شركة محروقات. والتركيز هنا يفرض اعتبار الغير من التجربة، والتزام الغالبية بالتضامن مع الحملة في وجود البديل.

المنتجات الحليبية، أحد فروع الصناعة الغذائية الأساسية التي باتت متوفرة في عالم العرب. وحتى نكون صادقين، فهذا النوع من الاستثمار الطبيعي في ربحه لوفرة الاستهلاك يجب أن يكون بشكل منطقي صافي الوطنية، أو على الأقل يكون مفتوحًا في وجه كل المستثمرين المحليين بشكل شفاف واضح للعيان. فالقطاع هنا مرتبط بشريحة الفلاحين البسطاء الذين تقتني الشركات الكبرى حليب تعاونياتهم بأثمان قد تكون زهيدة مقارنة مع الهامش الربحي، وهذا ذاته ما يفسر تضامن شريحة واسعة من الفلاحين مع تجربة المقاطعة، وظهور تعامل تجاري مباشر مع المواطنين يضمن للزبون جودة أكبر، وسعرًا أرخص، ويضمن للفلاح سعرًا يحترم مجهودات نشاطه المعيشي.

قصة المياه المعدنية تحيل على إشكالية جوهرية مرتبطة بملكية الثروات الوطنية. ففي ظل تنبؤ العام بندرة المياه المستقبلية، بات أساسيًّا احترام الملكية الوطنية للثروة المائية التي ظل جزء منها ملكية خاصة لسنوات. والأمر هنا ينطبق اقتصاديًّا على كل أنواع الثروات الوطنية التي تمنح رخصها بشكل غير واضح للجميع، ومنها مثلًا رخص استغلال الثروات البحرية، ومقالع الرمال والأحجار.

أما قطاع المحروقات فهذه قصة أخرى. القطاع استفاد لسنوات من سياسة الدعم العمومي الذي تكفلت الحكومات الأخيرة بحرمان المواطن البسيط منها. وهو قطاع طبعًا غير مفتوح لكل المستثمرين، ولا تخضع أسعاره لما هو متعارف عليه عالميًّا من قواعد المنافسة والعرض والطلب. والدليل أن العالم عاش أشهرًا كثيرة في ظل انخفاض واضح لأسعار البترول عالميًّا، دون أن تنخفض لوحات الأسعار في العديد من الأسواق، رغم أنها ملتزمة بالزيادة متى وجدت من التبرير ما يدعم قرارها. والغريب أن ما تحصلته شركات المحروقات التي تحتكر حق امتلاك هذه السوق ما بعد رفع الدعم عن المواطن من أرباح، يضاهي حجم الدعم نفسه، وهو ما يسائل بصدق حكومات أقل ما يمكن وصفها به هو الفشل عن جدوى إلغاء دعم لم يترجم إلّا بتوزيع أقل عدل للشرائح البسيطة.

أول شروط تنمية أي بلد هي وضوح الاقتصاد وإمكانية ولوج الاستثمار بشكل عادل من لدن الجميع، فقيمة السلطة السياسية الأولى هي تدبير الموارد، وتنظيم الأعمال والاستثمارات. والمستهلك هو طرف مساوٍ في القيمة للمنتج، غياب إطار قانوني يحميه من جشع الصناعة هو ضرب للسوق تتضح صورته مع أول أشعة وعي بقيمة الذات تسطع في قلوب جحافل المستهلكين. وغياب الشفافية الاقتصادية في أي بلد هو أول منفر للاستثمار الأجنبي دون منازع، أما الشركات الدولية فلها أن تحاول معاملة زبائن دولها الأصل بالمنوال نفسه، حتى تجد نفسها في مواجهة مؤسسات حماية المستهلك ولعنة المستهلكين الذين يحكمون السوق تلقائيًّا.

وعي المواطن العادي بقدرته على تغيير الواقع بعيدًا عن الاصطدام قد صار حقيقة عبر الممارسة، والإصرار على تجاهل واقع أن التجربة تؤسس لمرحلة جديدة في فكر المواطنة خطأ سياسي سيؤدي ثمنه كل الفاعلين السياسيين، الذين لولا رداءة أدائهم الثابتة ما احتاج المواطن للاحتجاج. والأكيد أن روح السلوك الغاندي بدأت تصل رياحها إلى عالم العرب، عالم يكفيه أن يتخيل مثلًا كيف أن مقاطعة أي انتخابات تشوب صيغتها أي شائبة لا تحترم حقوقنا في الحرية والديمقراطية ستفرغها من القيمة والشرعية، وكيف أن مقاطعة المقرضين الدوليين كانت ستجعلنا أكثر حرية، وتجعلهم أقل قيمة، وكيف كانت مقاطعة أمريكا بكل وفاء ستنهي ظلمها واحتقارها لنا الذي توقد ناره من أموال زبائنها منا! روح المقاومة الغاندية قد تكون مدخلًا حقيقيًّا لإصلاح أوضاعنا العربية.