الموقف الفرنسي شديد النقد للدعم الأميركي غير المشروط، والتحريضي لآلة القتل الإسرائيلية أخيراً، إلا صياغة دبلوماسية لغضبٍ شديد من تفرّد واشنطن بمسار العلاقات الدولية الكونية، واستهزاء رئيسها بكل نظرائه من حلفاء وسواهم.

في مداخلاته الإعلامية عن الأحداث الأخيرة المرتبطة بتصريحات دونالد ترامب، وتغريداته وتموجاته وتعرجاته وشقلباته على الأصعدة كافة، يُصرُّ أحد أهم أساتذة العلاقات الدولية في باريس على لفظ اسم الرئيس الأميركي بشكل خاطئ كلما تطرّق إليه. وقد أثار استغرابي عدم تمكّن أحد أهم علماء السياسة من لفظ اسم عادي جداً، لغةً ومضموناً، بطريقة صحيحة. وفي مقابلتي أخيرا معه، وحينما كرّر اللفظ “المشوّه” للاسم، استوقفته متسائلاً ـ وليس مصحّحاً ـ عن السبب الحقيقي وراء ذلك، مستبعداً أن يكون ترجمةً لجهلٍ لغويٍ. فابتسم المعلّم الكبير في السن، وعاد بي إلى صباه، مشيراً إلى تأثّره بأسلوب والده الذي كان يشوّه لفظ أسماء من يجدهم غليظي الطباع والأداء. ولقد أشاح لي بإفصاحه هذا، عن سرٍ شخصي طالما حاولت أن أجد له تفسيراً، وهو قيامي بـ”التشويه” نفسه لأسماء السياسيين الذين لا أستسيغهم أو الشخصيات العامة التي لدي مواقف فكرية من أدائها. وعللت النفس بأنه لا ضير في هذه “الممارسة”، ولا إساءة أخلاقية، إنما مجرّد وسيلة لتهدئة الذات المُستَفَزّة. وبدا لي أخيراً أن هذا الأسلوب يؤتي عكس المشتهى منه، أي أنه ربما يجعل من المنبوذ مُحبّباً طالما نتلاعب بتسميته.
زار الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون أخيرا واشنطن، ووصفت زيارته حينها بالناجحة، وقد تخللتها معانقات ومصافحات حارّة وتربيت على الأكتاف، إلى أن وصل الأمر بأن يزيل الرئيس ترامب بعض آثار قشرة الرأس عن أكتاف الرئيس ماكرون أمام المصوّرين بصورة أخجلت الفرنسي الضحية، وأظهرت مدى فجاجة مستضيفه. ويبدو بعد لأي أن ماكرون تحمّل سماجة 
“تحاول الدبلوماسية الفرنسية الخروج بأقل الخسائر، خصوصاً الاقتصادية”

ترامب، ليصل الى إقناعه بالاعتدال في موقفه من الاتفاق النووي مع إيران. ولكن ساكن البيت الأبيض لم يتأخر في إحباط مساعي ساكن الإليزيه الذي فوجئ فور عودته إلى باريس بتصريح ترامب بما كان جميع الأوروبيين يخشونه، وهو الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران. خابت إذا مساعي ماكرون الذي صبغ سياسته الخارجية، منذ وصوله قبل عام، باستعراضات نابوليونية، تُرضي المراقب البصري بعيداً عن أية نتائج ملموسة عملياً. فهكذا كان الحال خلال الاستقبال الملكي لفلاديمير بوتين في قصر فرساي، ظنّاً من الرئيس الفرنسي الشاب أن إرضاء جنون العظمة لدى المتعجرفين في السياسة الدولية يُمكن أن يُفضي بهم إلى الوسطية والعقلانية في القرارات.
وفي لفتةٍ عدائيةٍ إضافيةٍ تجاه فرنسا، شعباً وذاكرة، أقحم الرئيس ترامب ذكرى عمليات إرهابية فظيعة جرت في باريس سنة 2015 ليعبّر بطريقة تشوبها جرعة صفاقةٍ سياسيةٍ عن ضرورة احتفاظ الأميركيين بسلاحهم الفردي، متوجها في خطابه إلى لوبي صناعة الأسلحة الذي ساهم بفعالية في حملته الانتخابية. وقد أشار، بطريقةٍ تهكميةٍ، إلى موت الفرنسيين من دون مقاومة، بسبب عدم حملهم السلاح. وحتى أنه تقمّص، في خطابه، دوراً تمثيلياً، وأصدر أصوات حرية بأفلام الرسوم المتحركة، ليُظهِرَ الأمر كأنه فيلم هوليودي. وقد دعته باريس رسمياً عبر بيان من وزارة الخارجية إلى “احترام ذكرى الضحايا”، بعد أن أشار البيان إلى “الرفض المطلق لهذه التصريحات”. وأضافت الخارجية الفرنسية أن فرنسا فخورة بأنها بلد لا يُسمح فيه بالتداول الحر للأسلحة القاتلة، وبأن الإحصائيات تُفيد بوضوح بأن وجود السلاح الفردي في أيدي المجتمع لا يساهم ألبتة في تخفيف حوادث الاعتداء، كما يعتقد اليانكي الأميركي بل على العكس، فهو غالباً ما يُشجع على زيادتها.
مؤشران واضحان على فشل المساعي الدبلوماسية الفرنسية بصبغتها الماكرونية، والتي أرادت أن تصنع قطيعة مع سابقتها التي كان قد تبناها الرئيس السابق، فرانسوا هولاند. ويبدو من النشاط الدبلوماسي الفرنسي الذي جاء بعد قرار الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران أن 

“خابت مساعي ماكرون الذي صبغ سياسته الخارجية، منذ وصوله قبل عام، باستعراضات نابوليونية”

هناك توجها إلى محاولة إصلاح الموقف، وإيضاح قدرة الدبلوماسية الفرنسية على الدعوة إلى انتهاج سياسة أوروبية جديدة، تبتعد نسبياً عن “الدلع” الأميركي المتضخّم مع ترامب في قمته. وقد بدا أن فرنسا تقود هذا التحرّك، وتدفع ألمانيا إلى تبنيه، وكذلك بريطانيا. وهي تنظر بريبةٍ وخوفٍ إلى ما سيرد من تحفظات، قادمة من دول شرق القارة ووسطها، ستضعضع الموقف الأوروبي، حيث تقود هذه الدول حكوماتٍ يمينيةً متطرّفةً وشعبويةً، تميل إلى الخطاب الترامبي، وتعتمد على الحماية الأميركية ضد ما تعتبره تهديداً روسياً تاريخياً.
في هذا المناخ الضبابي، تحاول الدبلوماسية الفرنسية أن تخرج بأقل الخسائر، وخصوصاً فيما يتعلق بالمصالح الاقتصادية الهائلة التي عوّلت عليها فرنسا خصوصا، وأوروبا عموماً، منذ توقيع الاتفاقية النووية مع إيران سنة 2015. وتترسّخ القناعة في الإليزيه بأن الرئيس الأميركي في مواجهته طهران يوجه صفعة قوية لاقتصاديات الدول الأوروبية أساساً. وما الموقف الفرنسي شديد النقد للدعم الأميركي غير المشروط، والتحريضي لآلة القتل الإسرائيلية أخيراً، إلا صياغة دبلوماسية لغضبٍ شديد من تفرّد واشنطن بمسار العلاقات الدولية الكونية، واستهزاء رئيسها بكل نظرائه من حلفاء وسواهم. وفي هذا الإطار، يقول الرئيس السابق، فرانسوا هولاند، إن “الدبلوماسية تُدير العلاقات بين بلدين، لكنها لا تفرض أية علاقة صداقة بينهما، خصوصاً إن كان رئيس أحدهما شخصاً مثل دونالد ترامب”.