حدثني صديقي قائلًا: لن نستمتع بحياتنا حتى نستمتع بالوقت الذي نقضيه في الحمام.. في أوروبا يهتمون بمساحات الحمامات وديكوراتها ونظافتها، وأنا عندما أدخل الحمام أضع السماعات في أذني لسماع الموسيقى أثناء عملية الإخراج.

تعجبت من كلامه وسألته: هل تقصد زيادة الاهتمام قليلًا برغبة مثل حاجة البشر إلى إخراج الفضلات؟!

فقال: لا.. ولكن أن تكون عملية الإخراج على نفس المستوى من الأهمية والاهتمام مثلها كباقي الحاجات الإنسانية الأخرى.. ويكمل صديقي: إن الحاجات الإنسانية متنوعة منها ما هو فسيولوجي مثل الحاجة للطعام والشراب والجنس والإخراج والنوم والتنفس ومنها ما هو نفسي واجتماعي مثل الحاجة للأمان والحاجة لتحقيق الذات والحاجة للعيش في جماعة… إلخ، وكما لا يستطيع الإنسان الحياة دون طعام أو شراب أو تنفس، فهو لا يستطيع الحياة دون إخراج أو دون ممارسة الجنس، كما أن حياته لن تستقيم دون شعور بالأمان وتحقيق الذات… إلخ.

ولكن ما يحدث هو أن صيرورة التطور المجتمعي المشوه جعلت من بعض الحاجات أولوية على حساب حاجات أخرى، وبالتالي جعلت بعضها أقل في المرتبة من الأخرى، ليس هذا وفقط، بل خلقت حالة من الاحتقار لبعض الحاجات مثل الجنس أو الإخراج، ويتفاوت هذا الاحتقار من ثقافة لأخرى ومن مجتمع لآخر، فهناك مجتمعات تحتقر عملية الإخراج وتخصص لها أماكن ضيقة شديدة الوضاعة، كما تحتقر من يمارسون المهن التي تتصل به، رغم عدم قدرتهم علي التخلي عنها أو عنهم ليوم واحد، وهناك ثقافات ومجتمعات أخرى تتعالى على الحاجة لممارسة الجنس وتراها حاجة اجتماعية يمكن الاستغناء والترفع عنها، ورفع من لا يمارسها إلى مراتب القديسين والأولياء، ليس هذا فقط، بل إنها تضع قيودًا شديدة الصرامة على ممارسة الجنس وتقوم بتجريم من يخرج عنها، وهكذا.

لا يمكن فصل أي ظاهرة عن السياق الاجتماعي لنشأتها وتطورها، ولا يمكن بأية حال استثناء الظاهرة التي تحدثنا عنها في الفقرات السابقة من هذه القاعدة، فالنظام الرأسمالي وما سبقه من أنظمة، كالنظام الإقطاعي والعبودي كان لهم دور كبير في ترسيخ مثل هذه الثقافة بما ولدته هذه المراحل المتتالية من ضغوط اقتصادية واجتماعية على الأفراد وما خلقته من اغتراب (العامل/ القن/ العبد) ليس فقط عن عمله وما ينتجه من سلع، ولكنها بالأساس ولدت حالة من اغتراب العامل عن ذاته وعن رغباته الأساسية وجزرت في وعيه بالتدريج – وبشكل جدلي – ثقافة الاحتقار لكل ما هو ذاتي لصالح كل ما هو عام، وذلك بترتيب حاجاته على مسطرة العمل المأجور إلى ما هي حاجات أولية وما هي حاجات ثانوية، وما هي الحاجات الضرورية وما هي الحاجات التي يمكن الاستغناء عنها لصالح العمل.

فالعامل الفقير يأكل ويشرب كي يمتلك الطاقة للعمل، ويقوم بذلك سريعا كي لا يضيع وقت العمل، ويقضي حاجاته في سرعة كي يلتحق بعمله، ويمارس الجنس، إن استطاع إليه سبيل، بشكل آلي فقط من أجل التناسل وإنتاج عمال جدد، فهو تحت تأثير الدعاية الرأسمالية المكثفة يخجل من أن تكون له رغباته الخاصة وينسبها إلى الشيطان لما تأخذه من وقت العمل الذي زرع في ذهنه قداسته على حساب ذاته.

ولكن الملاحظ أنه كلما صعدنا سلم الهرم الاجتماعي كان هناك تقديم وتأخير لبعض الرغبات والحاجات فقطاعات الطبقة الوسطى يصير لديها أولويات لحاجات على حساب أخرى، واحتقارها لبعض الحاجات والرغبات مثل الإخراج، وتأخير رغبات أخرى وتحويلها إلى شكليات اجتماعية مثل الجنس، وتعزيز ثقافة الحياء والخجل منها، وإحاطة هذا الخجل بسياج من التقديس باعتباره فضيلة، ويقوي من تماسك هذه السلوكيات وهذه الثقافة حالة الشكلانية والمظهرية الفارغة التي تتسم بها والنابعة من وضعها بين طبقتين.

أما البرجوازية فتصير لديها حالة من الاحتفاء الشديد بالرغبات والحاجات الإنسانية تصل إلى حد التقديس والتجريد الشديد والانفصال التام عن الواقع الاجتماعي في مزيج من العبث والعدمية وسيادة مبدأ (السعي من أجل اللذة) علي حساب المجتمع، وهو انعكاس لنفس واضح لمبدئها الاقتصادي (السعي من أجل الربح)، وهو ما عبر عنها نجيب محفوظ ببراعة في رواية (ثرثرة فوق النيل)، وتجسده فكريًا الفلسفة التفكيكية المعاصرة.

إن الأمراض الاجتماعية بداية من الحروب والجريمة وحتى السمنة المفرطة أو الهزال الشديد هي في الغالب نتاج لكل ما سبق، لو قمنا باستثناء الحالات المرضية، فالتأني والاستمتاع بالطعام لا يفرق أبدًا عن التأني والاستمتاع بالجنس أو عن التأني والاستمتاع بممارسة عملية الإخراج، لا يختلف إطلاقًا عن ممارستك للعمل الذي تحب، وليس ما يفرضه عليك المجتمع؛ مما يعني التأني والتركيز في هذا العمل والسعي من خلاله لتحقيق ذاتك… إلخ، فكل هذه الحاجات والرغبات البشرية نشأت وتطورت مع التطور الفسيولوجي والنفسي والاجتماعي للكائن البشري وتستوي في الأهمية لديه، ولكن البنية الطبقية وليس الطبيعة البشرية في تقديري هي ما ولدت ثقافة هذا الترتيب في الأولويات.

ولن تصل البشرية إلى مفهوم السعادة الحق حتى تكون متعة تناول الطعام لديها علي نفس مستوي وأهمية وتقدير متعة ممارسة الجنس أو إخراج الفضلات، وقبر العديد من الفضائل البرجوازية المنشأ كالحياء والخجل من مثل هذه الحاجات والغرائز، ولن يتحقق هذا سوى بالتخلص من الضغوط التي يمارسها المجتمع على أفراده بخلق حالة توازن بين حاجات الفرد والمجتمع، وذلك بالإجهاز على النظام الرأسمالي وما يفرزه من تفاوت طبقي وضغوط اقتصادية واجتماعية ونفسية واغتراب للفرد عن ذاته ورغباته وعن ما ينتجه من سلع.