الآداب والفنون في كل لغة تعد من الأشياء الضرورية للغة ومن الأشياء التي لا اسغناء عنها، فالأدب عمودها الفقري. ومع هذه الأهمية القصوى فإن اللغات في العالم تختلف، وكل لغة تشتهر حسب اشتهار وانشار أدبها في العالم، فهناك بعض اللغات التي تشتهر بأدبها الشهير المنتشر في الآفاق. كما يوجد لغات لم نسمع عن أدبها شيئًا. إذن لهذه الشهرة أسباب ودواع، فهناك رجال قاموا بنشر أدب لغتهم في العالم، فلولا ديستوفسكي وليو تولستوي وأمثالهم من أدباء الروس لما عرفنا الكثير عن الأدب الروسي، وكذالك تشارلز ديكنز، وليام شكسبير، ميشل دي مونتين، ألبير كامو وغيرهم من الأدباء والروائيين العالميين الذين شاركوا في نشر الأدب العالمي. وبفضل الأدباء الإسلاميين القدماء مثل الجاحظ عرفنا أيضا الكثير عن الأدب العربي الإسلامي في العصور الغابرة. فالكل شارك في نشر أدب لغته وثقافات مجتمعه.

اللغة الصومالية واحدة من تلك اللغات الغنية بأدبها الرفيع، ولا نبالغ إن قلنا أن واحدًا من كل خمسة من الصوماليين هو شاعر ماهر. كان الشعر لغة التخاطب بين الصوماليين، وكانت الأحداث في الماضي يعبر عنها بالشعر، فلذا يسمى الصوماليون بشعب الشعر. مع كل هذا، فاللغة الصومالية لم تشتهر بالكتابة إذ يعود كتابة الحرف الصومالي إلى السبعينيات من القرن الماضي. سببت عدم كتابة الحرف الصومالي الكثير من العوائق من بينها عدم كتابة الكثير من الأشعار والتواريخ الضائعة وعدم ابتكار صيغ جديدة للأدب الصومالي، فقد كانت الأشعار تتلقى من أفواه الشعراء وكانت التواريخ والأحداث تحفظ جيلًا بعد جيل.

في سنة 1972 كتب الحرف الصومالي وأنشئت الأكاديمية الصومالية للعلم والفنون. عمل في تلك الأكاديمية رجال من فحول الأدب الصومالي، مثل الأديب الصومالي حاج آدم أفقلوع الذي كان يتقن جانب لغته الصومالية عدة من اللغات العالمية. في ذالك الوقت بدأ المؤرخ الكبير الصومالي جامع عمر عيسى تدوين أشعار السيد محمد عبد الله حسن الذي كان يعبر عن جميع ما دار بينه وبين الاستعمار الإنجليزي بالشعر في مطلع القرن العشرين 1901-1920. وكتب المؤرخ أيضًا تاريخ السيد المجاهد.

الرواية الصومالية ما بين 1960-1990 (مانافاي نموذجًا)

كل هذه الجهود المبذولة كانت توحي بوجود كتاب صوماليين لهم باع طويل في الكتابة، وفي تلك الفترة أصدرت دواوين شعرية وكتب تاريخ كثيرة، كما ألفت كثير من المسرحيات التي اشتهرت بين أوساط الشعب الصومالي. أما الرواية الصومالية في تلك الفترة لم تكن لها المزايا الخاصة للرواية الناجحة، كان هناك بعض الكتاب الذين ألفوا قصصًا قصيرة ونشروها في الصحف الصومالية، كما يوجد كتاب صوماليين كتبوا رواياتهم بلغة أخرى مثل الإنجليزية، لكن لا نستبعد أن نقول لم تكتب رواية كاملة ولها جميع مزايا الرواية قبل رواية (مانافاي) التي كتبها الروائي الصومالي محمد طاهر أفرح، الرواية التي كانت تنشر في صحيفة نجم أكتوبر في أواخر السبعينيات ثم طبعت في كتاب مستقل في أوائل الثمانينيات. هذه الرواية واحدة من أشهر الروايات الصومالية، فهي تعالج قضايا اجتماعية مهمة كما تضيء الضوء على بعض المشكلات في المجتمع الصومالي.

«مانافاي» اسم لبطلة الرواية وهي فتاة تدرس في الثانوية، ترعرعت في مدينة «حمر» –الاسم الثاني لمدينة مقديشو عاصمة الصومال- تلتقي مع أحمد في بيت زميلتها زهرة، وأحمد هو شاب درس في الغرب وعاد إلى البلاد قريبًا. زهرة هي ابنة خالته، فلذا يزور بيتها بين الحين والآخر منذ عودته إلى البلاد، كما أن مانافاي صديقة مقربة للزهرة. أحمد يعجب بتلك الفتاة التي لقيها في بيت ليلى، ويعجب بالجمال الساحر للفتاة التي في مطلع شبابها.

«كلميي» هو صديق أحمد، له وجهة نظر شاذة عن النساء وعن جميع الفتيات، فهو يرى أن لا يثق أبدًا بفتاة، فإنها ستخونه في آخر المطاف، فلذا يدور بينه وبين أحمد نقاش حاد عن هذه القضية. أحمد يرى ضرورية الاختيار لشريكة حياة مناسبة، بينما يرى صديقه أن يخرج كل ليلة مع الفتاة التي تعجبه ويعاملها بعد ذلك كشخص لم يره قبل. «النساء كثيرات وأنت شاب، فاستفد من هذه الفرصة قبل أن تصبح محبوسًا للزواج ولمرأة واحدة، جرب النساء أولا ثم اختر بعد ذالك واحدة» كان دائمًا يقول هكذا لأحمد. أحيانا لا يتصور كيف سيكون منحصرًا على امرأة واحدة، ويكرر: «واحدة لن تكفي»، كما لا يتصور أيضًا كيف سيتحمل شكاوى الأطفال وكيف سيتحمل مسؤولياتهم. يقول هذا وهو يعلم أن له أخت أو أم لا يحب الإساءة إليهما، ماذا لو علم أن أخته عُمل بها مثل ما عامل بفتاة أخرى؟ ثم ألا يعلم أن له أب رباه وتحمل مسؤوليته منذ الصغر؟ ماذا لو تعذر الأب أيضًا بنفس المعاذير التي يتعذر كلميي بها اليوم؟ ليس كلميي وحده من يرى هذا، فهناك كثير من الشباب في العالم ينظرون الأشياء من نفس الزاوية. فالرواية هنا تضيء الضوء على قضية أهمية البالغة، قضية إغراء الفتيات بطرق مختلفة، واعتبارالفتاة سهلة الافتراس، ثم قطع العلاقة معها بعد نيل المرام. فهؤلاء ينسون دور المرأة في المجتمع، ويتناسون أن هؤلاء الفتيات أخوات لرجال مثلهم، فهو لا يقبل أن يفعل أحد فعلته هذه بأخته! وأعجب من ذالك أنه يطلب بعد 10 سنوات من اللهو زواج فتاة حسناء، نشأت على الدين، ولم تكلم أحدًا قبله! فهل أبقى هو وأمثاله فتاة طيبة حتى يجد؟!

كان جامع طجي، أبو أحمد يعمل بشاحنته الخاصة، ويسعى ليلا ونهارا للحصول على ما ينفق على أسرته، كان يقضي أوقات فراغه في بيته مع الأسرة، ويسأل زوجته عن الأولاد ودراستهم ويتفقد حاجات الأسرة أيضًا. يمضغ القات كل مساء أمام البيت وهو متكئ على وسادة، والزوجة والأولاد قبالته ويتبادلون أطراف الحديث. لا بد أن كل شيء سيتغير، وهذا ما حصل لجامع طجي فإنه حصل على وظيفة حكومية وترقى في المراتب حتى عين في منصب مكنه من نهب المال العام، فطلب الرشاوى من كل أحد وفعل كل شيء بلا مبالاة. تغيرت شخصيته تمامًا. لا يقضي المساء مع الأسرة، ولا يسأل عن حال الأولاد أحدًا ويمضغ القات في بيت كبير مع أصحابه في العمل. نفهم من ملامح الشخصية التي يصفها لنا الروائي أنها شخصية تعاني من مشكلة عدم فهم المال العام، فنهب المال العام شيء متاح للجميع كما يعتقد جامع. نفسه حينما كان يعمل بشاحنته الخاصة لم يكن يخطر في باله يومًا أنه يفعل بماله الخاص إلا ما تتطلبه الحاجات. لنقل هذه مشكلة عالمية وإن كانت أكثر انتشارًا في بعض المجتمعات، فكل شيء يقال هو حق للجميع لا يحظى باعتناء جيد.

كلما واصلنا قراءة الرواية فالأمور تتعقد، فهناك حاج مؤمن، أبو الفتاة مانافاي، لم يخطر في باله يومًا أن لفتاته حق اختيار الزوج، وحتى قرر أن يزوجها ابن عمها لكر بعد إكمال الدراسة الثانوية، هي تعلم أن لكر ينتظرها، لكن هي معجبة بأحمد الذي تعرفت عليه قريبًا، «ماذا ستفعلين يا مانافاي؟» تسأل نفسها ولا تزداد إلا حيرة. ماذا لو تمردت على طلب أبيها؟ هذا شيء لم يحدث من قبل في الأسرة، إذن هل يمكن أن تدمر رجاءها؟ وهذا لا يمكن أيضًا فإنها تزداد تعذبًا. أعجب من كل ذلك، أن أبا أحمد يلتقي مع الفتاة التي يحبها ابنه في إحدى شوارع مقديشو وهو لا يعرفها، يعجب بها، هي فتاة جميلة بمعنى الكلمة، وجامع طجي نهم بالفتيات في الفترات الأخيرة. بحث عن الفتاة حتى عرف  أنها زميلة زهرة التي يعرفها تمامًا.

في الرواية هناك امرأة تعمل لصالح جامع طجي وأمثاله، يسمى «بيدن»، عملها إيجاد فتيات لأمثال أبي أحمد، لها بيت كبير في المدينة يمضغ جامع طجي وأصحابه القات فيه ليلًا ونهارًا، يوجد فيه فتيات اختطفت قلوبهن بالمال، أكثرهن فتيات ترعرعن في الشوارع فهربن من الحياة القاسية في الشوارع ولجأن مثل هذه الأماكن ليفعلن كل ما يريده هؤلاء بمقابل زهيد، لكن على الأقل أفضل من حياتهن السابقة.

«المرأة عورة، لتكن في بيت أبيها أو في بيت زوجها» هذه هي العبارة التي يرددها الشعب الصومالي في كل مكان وزمان، هذه عبارة صحيحة أو جعلت صحيحة قسرًا وإن كان فيها بعض المغالاة، فالطفلة التي ترعرعت في الشارع لا تتفاعل مع البيئة بسهولة، هي معرضة لأخطار كثيرة خلاف الولد الذي تتيح له فرص عمل في سن مبكر وإن كانت هذه مسألة أخرى لها أعراضها الجانبية، أما الفتاة فأول فرصة تتاح لها هي الدعارة، بالطبع هناك طرق أخرى وفرص غير هذه الفرصة، لكني أتحدث عن فتاة في الثالثة عشر من عمرها، قضت جل وقتها في الشارع وتعرضت لأخطار كثيرة ولم تر أحدًا يقدم لها نصيحة أو حكومة تعتني بها.

هذه القضية التي ناقشتها رواية مانافاي لها أهمية بالغة في كثير من المجتمعات في العالم وفي المجتمع الصومالي خاصة، فكثير من المجتمعات في العالم يرون نفس النظرية التي ناقشتها الرواية، ويظهر أن المرأة ضحية في جميع الأحوال. بيدن نفسها عانت تلك المشكلة في عهد الاستعمار الإيطالي، كانت منظفة في إحدى منازل الإيطاليين، لكن قلما تسلم امرأة في عالم يرى أن كل امرأة ليس معها أحد فريسة سهلة الاصطياد، رحل الاستعمار وبقيت بيدن وأمثالها في الصومال حقيرة ليس لها قيمة، فقط لأنها عملت في منزل إيطالي، فتكون الدعارة الفرصة الوحيدة لها.

ما بين 1960-1990 كتبت روايات أخرى باللغة الصومالية، مثل رواية (أيان درن) كما نُشرت قصص قصيرة في الصحف التي كانت تشتهر في البلاد آنذاك.