إن كان “رئيس الشرعية” الفلسطينية جادّا في حداده وحزنه على الضحايا من أبناء شعبه، فمن باب أولى ليعتذر عن خنقه أبناء غزة، وليفرج عن رواتبهم، وليفكّ الحصار عمن بقي منهم، بدلا من إعلان الحداد على من ماتوا منهم.

(1)
“زعيم الشعب الفلسطيني اضطر إلى الاعتذار أمام الشعب اليهودي. المسلوب اضطر إلى الاعتذار من السارق. المجنيّ عليه من الجاني. المقتول من القاتل. المحتل حساس جدا، يجب فقط الاهتمام بمشاعره. شعبٌ لم يتوقف عن الاحتلال والتدمير والقتل، ولم يخطر بباله في أي يوم الاعتذار عن أي شيء من ذلك يجعل ضحيته تعتذر عن جملةٍ بائسةٍ واحدةٍ قالها زعيمها. والباقي معروفٌ مسبقا: الاعتذار مرفوض. ماذا اعتقدتم، هل اعتقدتم أن الاعتذار سيُقبل. لا يجب أن تكون من أتباع محمود عباس كي تفهم عمق اللامعقول. لا يجب أن تكون كارها لإسرائيل كي تفهم كامل الوقاحة”.
هكذا كتب جدعون ليفي في صحيفة هآرتس الإسرائيلية، تحت عنوان: أيها المحتلون الأعزاء، نعتذر إذا تضرّرتم.. صورة تختزل كل ما في تاريخ اليوم من ذل وظلم، “إسرائيل لم تعتذر في أي يومٍ عن النكبة، ولا عن التطهير العرقي، ولا عن هدم مئات القرى، وترحيل مئات آلاف الأشخاص من بلادهم. وهي لم تعتذر أيضا عن جرائم احتلال 1967، ولا عن سلب الأراضي وبناء المستوطنات، ولا عن الاعتقالات العبثية والقتل الجماعي وتدمير حياة شعب. لا يوجد الآن سياسيٌّ واحدٌ في إسرائيل ينوي القيام بذلك كخطوة مطلوبة لمستقبل آخر. ولكن عباس يجب عليه الاعتذار، وإلا فان ليبرمان و”نيويورك تايمز” سيطالبان برأسه. وفي الحقيقة، هما سيقومان بذلك حتى بعد اعتذاره”. يكمل ليفي الصورة، وحتى مجلس الأمن يهتز، ولولا اعتراض الكويت، لكان أصدر قرار إدانة لعباس.
(2)
في مكان آخر، وإمعانا في الإذلال، وإظهار الجبروت الصهيوني، وفي تاريخ مهزلة الاعتذار، ورفضه، يصدر حكم محكمة صهيونية بإدانة شاعرة،.. نعم.
في افتتاحية “هآرتس”، وفي اليوم نفسه الذي كتب فيه ليفي “ملهاته”، نقرأ أن دارين طاطور
“لم لا يعتذر من يحاصر غزة، ويمنع عنها الرواتب، عما يفعله بأبناء شعبه، ما دام قادرا على الاعتذار لأعدائه عما لم يفعل؟”

(36 عاما) اعتُقلت قبل سنتين ونصف السنة، بعد أن نشرت قصيدة تحت عنوان “قاوموا يا أبناء شعبي، قاوموهم”. وجاء في لائحة الاتهام ضدها أنها رفعت “منشوراتٍ مختلفة، فيها دعوات إلى القيام بأعمال عنف أو إرهاب وأقوال تشجيع، ومدح وتضامن مع أعمال عنف أو إرهاب”، بينها، ضمن أمور أخرى، فيلم قصير ظهر فيه ملثمون يرشقون حجارةً على قوات الاحتلال، على خلفية تلاوة القصيدة.
إرهاب من نوع آخر، طاطور منذ نشرت قصيدتها على “فيسبوك”، قبل عامين ونصف العام، وهي معتقلة، مرة في السجن، ومرة في السجن المنزلي. ربما لم يسمع بها كثيرون، لكن الحكم الصادر بإدانتها كان المادة الرئيسة لافتتاحية “هآرتس” ليس تعاطفا مع شاعرة فلسطينية بالطبع، ولكن لأن هناك ظلما فادحا يصعب السكوت عنه. “محاكمتي نزعت كل الأقنعة”، قالت طاطور التي تقضي معظم الوقت منذ سنتين ونصف السنة في الإقامة الجبرية، وتُفرض عليها قيود متشدّدة، بما في ذلك الحظر على حيازة هاتف نقال أو تصفح الإنترنت. تثبت المحاكمة، كما تنقل هآرتس عن الشاعرة، أن الديمقراطية في إسرائيل هي لليهود فقط. العرب في إسرائيل معتادون على سماع هتافات “الموت للعرب”، ويكفي تصفح عشوائي للشبكات الاجتماعية، أو في أروقة الكنيست، للتعرّف على التحريض ضدهم وإباحة دمهم، ولا أحد من هؤلاء بالطبع يقدّم إلى المحاكمة، تكتب الصحيفة العبرية..
(3)
لا فرق يذكر بين إدانة عباس والشاعرة طاطور، فكلاهما في قفص، هو في رام الله، وهي في قرية الرينة، قرب الناصرة. كلاهما ضحيتان، عليهما أن يعتذرا للقاتل وإلا…!
وماذا عن اليوم، حيث ترتوي الأرض من دماء الشهداء؟ هل يعتذر الفلسطينيون عن “تشويش” احتفال الصهاينة بافتتاح سفارة دونالد ترامب إلى القدس بمناظر ارتقاء أرواح أبنائهم إلى السماء، وهم يحتشدون على تخوم أراضيهم التي سلبها الاحتلال منهم؟ بل، السؤال الأهم، هل يعتذر “زعيم الشرعية” لشركائه في السلام المستحيل عن “تمرّد” غزة “الآبقة” الرافضة للاستسلام؟ السؤال الأكثر مأساوية: لم لا يعتذر من يحاصر غزة، ويمنع عنها الرواتب، عما يفعله بأبناء شعبه، ما دام قادرا على الاعتذار لأعدائه عما لم يفعل؟ هل يكفي إعلان الحداد ثلاثة أيام على ضحايا يحاصرهم الأهل الأقربون، والأشقاء القريبون والبعيدون، والعدو الجالس في حلوقهم؟
إن كان “رئيس الشرعية” جادّا في حداده وحزنه على الضحايا من أبناء شعبه، فمن باب أولى ليعتذر عن خنقه أبناء غزة، وليفرج عن رواتبهم، وليفكّ الحصار عمن بقي منهم، بدلا من إعلان الحداد على من ماتوا منهم.