برّر مقاطعو الانتخابات البلدية في تونس موقفهم بخوفهم من أن يتحوّل الحكم المحلي واللامركزية إلى أداة لتقسيم الدولة، وإضعافها وإضعاف القانون وإرساء ديكتاتورية جديدة في المناطق، سيما في ظل ما ستسمح به المنظومة الجديدة من استقلالية وحرية للحكّام المحلّيين.

جرت الانتخابات البلدية في تونس يوم 6 مايو/ أيار الجاري، وهي أول انتخابات بلدية في تاريخها منذ عام 1957، لاختيار الحُكّام الذين سيتولون تسيير شؤون السلطة المحلية والجهوية، أو إدارة الحكم المحلي الديمقراطي واللامركزي المعني بإدارة شؤون المواطنين المحلية بطريقة تشاركية، تقوم على نضج المنتخبين والمتساكنين. فكانت انتخابات تعدديّة حرّة ونزيهة وشفّافة، بشهادة جميع المراقبين التونسيين والأجانب، بصرف النظر عمّا شابها من توترات ومخالفات في بعض المناطق، لكنها لا ترتقي إلى مستوى المخالفات الكبيرة أو التزوير، فقد أكّد التونسيون مرّة أخرى تمسّكهم بخيار الانتقال الديمقراطي من دون سواه، في سبيل بناء ركائز الديمقراطية الناشئة ومؤسساتها، وفي ذلك وعي مجتمعي عميق راسخ ممتد في تاريخ البلد.
أجمع المتابعون للشأن السياسي التونسي، على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والثقافية والسياسية، على أنّ نسبة الإقبال على التصويت في الانتخابات البلدية التونسية كانت ضعيفة، إذ بلغت 33.7% من أصوات الناخبين، لكنها ليست كارثية، أو بعيدة عن النسب العامة المسجلة في دول عديدة. وبلغة الأرقام، بلغ عدد التونسيين المسجلين في هذه الانتخابات 5 ملايين و369 ألف ناخب من أصل جسم انتخابي يمثل ثمانية ملايين ونصف المليون يحق لهم الانتخاب، لم يشارك منهم في التصويت سوى مليون و800 ألف ناخب، أي أقل من مليونين. وهذا ما يؤكد أنّ نسبة المقاطعة كانت كبيرة، بدلالة أنّ ثلثي الناخبين لم يذهبوا إلى صناديق الاقتراع، فالذين قاطعوا، سيما من الشباب، استندوا إلى الرأي أنّ هذه الانتخابات لن تضيف شيئا إلى البلاد وللشعب، في وضع عام متأزم اقتصاديًا واجتماعيًا، لا يمكن الخروج منه، إلا عبر جهود عديدة يجب أن تبذلها الدولة على المستوى المركزي في أسرع وقت، ومن دون انتظار منظومة الحكم المحلي لتحقيق ذلك.
كما يرى هؤلاء المتابعون أنّ الشباب “العازف” عن الانتخابات هو الحزب الأكبر في تونس، إذ قاطع الشباب التونسي بنحو 90% من النسبة الإجمالية للمقاطعين، وهي نتيجة يجب أن 
“الشباب “العازف” عن الانتخابات هو الحزب الأكبر في تونس”

تُقلق الطبقة السياسية الحاكمة والأحزابَ معاً، لا سيما أن الشباب يمثلون فئة اجتماعية كبيرة في المجتمع التونسي. وبعزوفها القياسي هذا، توجه هذه الفئة رسالة قوية إلى الأحزاب الماسكة بالسلطة التونسية اليوم، وللأحزاب السياسية المعارضة على حدٍّ سواءٍ، التي أخفقت في إقناعها للاستجابة إلى المشاركة القوية في الانتخابات، مفادها بأنها ليست راضية عن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تونس، وأنها أُصِيبَتْ بخيبة أمل بعد أن أخفق السياسيون في كسب الثقة التي منحها لهم التونسيون في انتخابات عامي 2011 و2014. وفضلاً عن ذلك، يبرّر مقاطعو الانتخابات موقفهم بسبب آخر، هو خوفهم من أن يتحوّل الحكم المحلي واللامركزية إلى أداة لتقسيم الدولة، وإضعافها وإضعاف القانون وإرساء ديكتاتورية جديدة في المنطق (الجهات)، لا سيما في ظل ما ستسمح به هذه المنظومة الجديدة من استقلالية وحرية للحكّام المحلّيين.
الحزب المنتصر في الانتخابات البلدية التونسية هو حزب “العزوف” الانتخابي الذي فقد الثقة الكلية في أحزاب الطبقة السياسية الحاكمة التي تداولت على السلطة في تونس منذ سنتي 2011، و2014، حيث أخفقت إخفاقًا ذريعًا في إدارة الشأن العام، وفي معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وعجزت في تحقيق ما كان ينتظره التونسيون من الثورة، لا سيما تحسين وضعهم المعيشي، وتقليص نسب البطالة المرتفعة التي مثّلت أكبر مسألة معقدة بعد الثورة، وتسببت في وصول شرائح مهمةٍ من المجتمع التونسي إلى حالة من اليأس والإحباط، وأوصلت شبابا كثيرين إلى الموت، حَرْقًا أو غَرقًا في المتوسط، أو دفعته إلى الانتماء للجماعات الإرهابية. وهذا الأمر غير خافٍ، إذ أكدته استطلاعات الرأي التي رصدت انطباعات التونسيين في هذا الشأن.
تؤكد نتائج الانتخابات البلدية أخيرا، مرّة أخرى، التراجع الكبير في أحزاب الطبقة السياسية الحاكمة، فحزب النهضة الذي حلّ في المرتبة الأولى، وحصل على 498 ألف صوت (تراجع بنحو 450 ألف صوت) عن انتخابات 2014، بل إنّه خسر مليون صوت منذ انتخابات 2011. أمّا حزب نداء تونس، فقد حصل على 407 آلاف صوت (تراجع بنحو 870 ألف صوت) عن انتخابات 2014. وتعكس نتائج هذه المحطة الانتخابية نوعًا من العقاب الانتخابي من الشعب للحزبين الحاكمين في تونس، اللذين فشلا في إدارة حكم البلاد وتسيير شؤون العباد، وعجزا عن تحقيق وضع أفضل لانتظارات التونسيين، وكيف لهما أن ينجحا في الشأن المحلّي! كما تجسّد هذه النتائج حالة القطيعة بين المواطنين والطبقة السياسية الحاكمة التي تداولت حكم البلاد، وبقيت في برجها العاجي، ولم تنجح ببرامجها وبرؤاها وبخطبائها في استقطاب المواطن الذي أصبح يئن تحت وطأة الفقر والتهميش، والمكتوي بنيران الأسعار، والمتخبط في الإحباط واليأس والتشاؤم، والمتخوف من المستقبل المجهول والمعلوم.
ستبقى المجالس البلدية التي ستفرزها هذه الانتخابات البلدية عاجزةً عن التغيير الحقيقي في واقع المواطنين التونسيين، لاعتباراتٍ عديدةٍ ذات علاقة بالجانب القانوني، وتحديدا مجلة الجماعات 

“من الضروري أن تدرك الأحزاب الحاكمة أنّ الديموقراطية في تونس لم تعد تجدي معها توفيقيةٌ باتت مستهلكة ومستنفدة”

المحلية التي لم تدخل بعد حيز النفاذ، وكذلك لاعتباراتٍ ذات علاقة بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وجميعها تعيش وضعا متأزما منذ سنة 2011، فالأحزاب السياسية الحاكمة، على الرغم من اجتماعاتها في قصر قرطاج، لم تقدم خريطة طريق واضحة لتجاوز الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الرّاهنة ، لا سيما بلورة وثيقة قرطاج 2، تكون قادرةً على تقديم أجوبة عقلانية وواقعية بشأن منوال تنمية جديد غير خاضع بالكامل لاشتراطات اقتصاد السوق، وإملاءات صندوق النقد الدولي وشروطه التي غيّبت وفككت تدريجيا مقوّمات منظومة الدولة الوطنية من ناحية تقديم الخدمات الأساسية، وخصخصة مؤسسات القطاع العام، كما ألحقت ضررا فادحا بأقوى محرّك للدورة الاستهلاكية، أي الطبقة المتوسطة، أولاً. ومحاربة الفساد الذي ينخر كل مفاصل الدولة، وتحقيق النهوض بالفئات الضعيفة في مرحلةٍ اتسعت فيها رقعة الفقر، ومنها معضلة الصناديق الاجتماعية، وضرورة تفادي عجزها المالي، ثانيًا.
بعد هذه الانتخابات البلدية، من الضروري أن تدرك الأحزاب الحاكمة أنّ الديموقراطية في تونس لم تعد تجدي معها توفيقيةٌ باتت مستهلكة ومستنفدة، وأنّها لن تتبلور إلا عبر الصراع والتناقض، لا عبر توافق طوباوي مفترض، أو تسوياتٍ سياسيةٍ تعيد إنتاج المحاصصة الحزبية. وباتت القوى الديمقراطية التونسية في حاجة إلى اجتراح مشروع مجتمعي جديد، وخارج عن الاستقطاب الثنائي (النهضة ونداء تونس) يكسر البنى التونسية التاريخية المتكلسة، ويمهد لفكر ديمقراطي جديد، وإنسان تونسي جديد.