سارق الملك يخاف حتى من الحمام في كوابيسه، وغالبا يكره الحمام، خصوصا إن حطّ على سور بيته من غير علمه. سارق الملك يخاف من الجميع، ويخاف الشمس، ويخاف من طلبة المدارس، ويخاف حتى من المدارس، ويخاف حتى من العلم.

يخاف الكاهن على نفسه من غزل الدنيا، كي لا يفسد الدين داخل صندوق صدره الضيق. والعاشق يخاف من المتربّص بعشقه، كي لا تنهار حكاية حبه. والسجّان يخاف من نسمة هواء ما في الزنزانة ترسل إلى السجين بعضا من الأمل. وسارق الملك يخاف من حومة اليمام فوق شجر قصره، حتى وإن نزل اليمام وسلّم عليه كما يسلم الناس، ويخاف أيضا من العطر في طيّات صاحب الملك الأصلي، حتى بعدما ترك الملك، وصار طوّافا في بلاد الله، وساعيا وراء الحكمة، وقد نسى ملكه المسروق تماما.
سارق الملك يخاف حتى من ظل نفسه، فما بالك بعين صاحب الملك الأصلي، وهي مصوّبة على الحق من الزنزانة أو القفص. يبدو سارق الملك نهم العيون على الملك بكل وضوح، وصرّح قائلا: (إنتوا عاوزين تاكلوها يعني)، وكأنه يشتهي أن يأكل حتى النجوم أكلا من سماء ملكه مع الحمام.
سارق الملك يخاف حتى من الحمام في كوابيسه، وغالبا يكره الحمام، وخصوصا إن حطّ على سور بيته من غير علمه. سارق الملك يخاف من الجميع، ويخاف الشمس، ويخاف من طلبة المدارس، ويخاف حتى من المدارس، ويخاف حتى من العلم، يريده علما من بوابته فقط.
سارق الملك يخاف من ضحك الناس. سارق الملك يخاف حتى من غيطان العنب وعيدان القصب وحتى مزارع الأرز تهدد وجوده لكثرة الماء وحتى شجر الموز. سارق الملك لا يؤمن إلا بطرق مؤمّنة، وسيارات مؤمنة، وصديرية لأمان صدره، وخدم خلصاء حتى آخرهم، ولا ينطقون إلا من صدره، ومن فيض كلماته وجمله المشفرة.
فضح سره، في جلب “الرز”، وسره في وضع “الرز” في بنوكه “على جنب كده”، وسره في تأمين هذا “الرز”، وحفظه لأوقات الضيق. سارق الملك يحتاط في جملة، وغالبا لا تنفع الحيطة في مداراة مكنون صدره، فتفضح الجمل بعضها، أو تنخفض نبرة صوته، وتندغم الحروف فتصير الجمل مشوهةً، والعرق غزيرا على جبهته، والمقصود من الكلام خافتا في عجز.
كل يوم تأتيه التقارير أن صاحب الملك الأصلي ما زال يأكل، وما زال على قيد الحياة، وما زال ثابتا على عدم تسليم الملك كالضعفاء، على الرغم من أمراضه، كما أن معنوياته عالية وذاكرته كما هي، فيخاف أكثر على الملك، ومن الملك، ومن المخالفين له داخليا وخارجيا، فينعتهم بالنعوت مثل “الشر” و”أهل الشر”.. إلخ، وتصير لازمةً لا يجد غيرها، على الرغم من مرور سنوات خمس، تغير فيه ما يوازي أربعين رئيسا في أوروبا والعالم، ولم يقل واحد منهم كلمه “الشر” على خصمه أو معارضه (أخيرا في أرمينيا وماليزيا)، لكن سارق الملك لا يتعلم، ولا يعرف، ولا يريد أن يعرف أن الملك أصبح وظيفةً، وليس غنيمة أو سرقة بليل. سارق الملك يحاول حتى مع المرآة التي يخافها، فتزيده المرآة بؤسا، فيحاول مع الكاميرا متجمّلا بالهدوء والصبر والابتسامة، كي تكون الصورة مفلترةً ومريحةً ومتخلصةً من العصبية ومرض السلطة والتسلط، يحاول جاهدا أن يبتسم كطفلٍ لم يتعلمها بعد، ولكن بمبالغة مفضوخة، ولكن دواخله وكأنها تقول له “إنك سارق ملك غيرك”.
يحاول سارق الملك جاهدا أن يبدو بسيطا ومتعففا، وصاحب علم وإدراك، ومكنة في إدارة البلاد والعباد، فيخطئ في نطق الجمل، ويهتز الكلام، ويذهب المعنى إلى غير مقصده تماما، فيضحك سارق الملك من غير سببٍ وتبتهج أساريره، فيضم أصابع كف يده اليمنى في قبضةٍ واحدةٍ، ويقول: “بس إحنا نكون كده”. فيتعالى التصفيق من القاعة، فيكرّرها مراتٍ ظنا منه أنه استطاع أن يضع الملايين كلها في تلك “القبضة”، وحينما يدخل إلى مشكلات الداخل، يعود التلجلج ثانيةً إلى الكلام، ويعود الصمت، ويبدأ سيل العرق على جبهته.